تطرح دراسة حديثة في علم الأعصاب تصوراً مختلفاً جذرياً لمفهوم «الكسل» الشائع في الخطاب اليومي، إذ تعيد ربطه بآليات دقيقة داخل الدماغ تتحكم في الدافع والقرار، بدلاً من اعتباره مجرد عيب في الأخلاق أو ضعفاً في الإرادة الفردية. هذا المنظور يستند إلى أعمال أستاذ علم الأعصاب المعرفي مسعود حسين، التي عُرضت في مقال مطول في صحيفة بريطانية بارزة، ثم أعادت نشر خلاصته منصات متعددة متخصصة في تبسيط العلوم.
ينطلق هذا الطرح من ملاحظة فروق واسعة في مستويات الحافز بين الأفراد؛ فبعض الناس يندفعون تلقائياً نحو المهام الجديدة، بينما يميل آخرون إلى تجنب بذل الجهد، رغم امتلاكهم القدرات المعرفية نفسها تقريباً. التفسير التقليدي يحيل هذا الاختلاف إلى التربية أو الظروف أو منظومة القيم، غير أن الدراسات التي تعتمد تصوير الدماغ لدى أشخاص أصحاء ومرضى تُظهر أن بنية شبكات محددة في الدماغ، ولا سيما مناطق العقد القاعدية والدوائر المرتبطة بالدوپامين، تلعب دوراً حاسماً في كيفية تقدير الكلفة والجدوى قبل الإقدام على أي فعل، وفق ما يوضحه مقال Does laziness start in the brain؟. عندما يختل عمل هذه الشبكات، قد يتحول شخص نشط ومنخرط اجتماعياً ومهنياً إلى شخص غير مبالٍ بشكل حاد، من دون أن يفقد قدرته على التفكير أو فهم ما يجري من حوله.
تُظهر تجارب مخبرية أجريت على طلاب جامعيين أن الأفراد الذين يوصفون عادة بأنهم أقل حافزاً لا يملكون بالضرورة «طاقة» أقل، بل تبدو أدمغتهم في الواقع أكثر انشغالاً عندما يُطلب منهم اتخاذ قرارات تتعلق بما إذا كانت مهمة معينة تستحق الجهد. في هذه التجارب، يُعرض على المشاركين خيار تنفيذ نشاط مقابل مكافأة محددة، مع تدرّج في مقدار الجهد المطلوب، ثم تُراقَب المناطق الدماغية المسؤولة عن حساب هذا التوازن. يتضح أن من لديهم مستويات عالية من اللامبالاة يترددون زمنياً أكثر في «الحالات الحدودية» التي لا تكون فيها جدوى الفعل واضحة، وتحتاج أدمغتهم إلى معالجة أطول قبل الوصول إلى قرار، ما يجعل عملية اتخاذ القرار نفسها مُرهِقة. أمام هذا العبء الإضافي، يميل هؤلاء إلى تجنب الفعل والانحياز إلى الرفض، فيُقرأ سلوكهم خارجياً على أنه «كسل» متكرر، كما يشير منشور أندرو بوغل حول هذا الموضوع.
ترتبط هذه النتائج بما يُعرف في علم الأعصاب المعرفي بآليات تقييم الجهد، إذ يتعين على الدماغ الموازنة بين الموارد المتاحة – الوقت، الطاقة، الانتباه – والمكافأة المتوقعة من الإنجاز. خلال هذا التقييم، تلعب إشارات الدوپامين دورَ ناقل للمعلومات حول التوقع والمتعة المحتملة، وتحدد مدى استعداد الفرد للدخول في نشاط يتطلب جهداً. عندما تقل حساسية هذه الإشارات أو يختل تواصلها مع العقد القاعدية والقشرة أمام الجبهية، يصبح اتخاذ القرار المكلف ذهنياً أمراً أكثر ثِقلاً، حتى لو بقيت القدرة العقلية على أداء المهمة سليمة. هنا يطرح الباحثون فكرة أن ما ينعته المجتمع بـ«الكسل» قد يكون في حالات كثيرة تعبيراً عن حالة «نقص الاستثارة» العصبية أو اللامبالاة المرضية، كما تظهر لدى مرضى باركنسون أو بعد إصابات دماغية معينة.
هذه الرؤية تغير زاوية النظر إلى من يعانون من تراجع واضح في الحافز بعد مرض أو حادث أو حتى دون سبب ظاهر، إذ تدفع إلى التعامل مع حالتهم على أنها ظاهرة عصبية قابلة للفحص والتدخل، لا مجرد مسألة التزام شخصي. الأبحاث السريرية التي تابعت مرضى أصيبوا بتلف في مناطق محددة من الدماغ تشير إلى أن فقدان المبادرة والرغبة في النشاط يمكن أن يظهر حتى لدى أشخاص كانت سيرتهم المهنية والاجتماعية ثرية قبل الإصابة. في هذه الحالات، يصبح فهم البنية العصبية للدافع خطوة أساسية في تصميم برامج علاجية تستهدف استعادة جزء من القدرة على المبادرة، سواء عبر الأدوية التي تؤثر في نظام الدوپامين، أو عبر تدخلات سلوكية منظمة.
في الجانب العملي من الحياة اليومية، تقترح الأدبيات العلمية مجموعة من الاستراتيجيات للتعامل مع اللامبالاة المتصلة بآليات القرار، حتى لدى من لا يعانون من اضطراب عصبي واضح. إحدى هذه الأدوات تتمثل في وضع برنامج مُسبق لليوم أو للأسبوع، يتضمن مهاماً محددة في أوقات بعينها، مما يقلل عدد القرارات التي يجب اتخاذها في اللحظة، ويخفف العبء المعرفي الذي يثقل كاهل من يواجهون صعوبة في حسم ما إذا كان الجهد «مستحقاً» في كل مرة. هذا التنظيم المسبق يسمح بتوزيع الطاقة الذهنية على فترات، ويُدخل قدراً من الأتمتة في السلوك، بحيث يتحول تنفيذ النشاط إلى جزء من روتين لا يحتاج في كل مرة إلى مفاوضة داخلية طويلة، وهي إحدى التوصيات التي يتناولها منشور Procrastination is fatigue, not laziness.
من التوصيات المتكررة في هذه الدراسات أيضاً تشجيع الحركة المنتظمة، ولا سيما التمارين ذات الطابع الهوائي مثل الجري الخفيف أو المشي السريع أو الرقص ثلاث مرات أسبوعياً لمدة تتراوح بين أربعين وستين دقيقة. تشير نتائج عدة أبحاث إلى أن النشاط البدني المتكرر يمكن أن يحسّن مؤشرات الدافع والاهتمام، ربما عبر تأثيره في تنظيم الدوپامين ومسارات المكافأة في الدماغ، كما يتناول مقال Motivation: tackling brain laziness. إضافة إلى ذلك، يوصي الباحثون بدمج أنشطة تحمل معنى شخصياً، بحيث ترتبط المهام اليومية بشعور بالإنجاز أو المتعة، لا أن تُختزل في سلسلة من الواجبات المجردة، لأن الدماغ يستجيب بحماس أكبر عندما يرى ارتباطاً مباشراً بين الجهد والنتيجة.
من زاوية أوسع، تفتح هذه المقاربة العصبية الباب أمام نقاشات اجتماعية وثقافية حول اللغة المستخدمة لوصف السلوك، إذ إن تصنيف الأفراد بين «مجتهد» و«كسول» يتجاهل في كثير من الأحيان وجود فروق بيولوجية قابلة للقياس في كيفية عمل أدمغتهم. الإقرار بأن بعض أنماط اللامبالاة تعود إلى آليات عصبية لا يلغي مسؤولية الفرد بالكامل، لكنه يدعو إلى سياسات تربوية وصحية تراعي هذه الفروق، وتوفّر بيئات تساعد على تخفيف عبء اتخاذ القرار، بدل الاكتفاء بخطابات الحث واللوم. في الوقت نفسه، يُذكّر هذا التوجه بأن فهم الدافع البشري لم يعد حكراً على التحليل النفسي أو الاجتماعي، بل بات يستند أيضاً إلى بيانات تصوير الدماغ والتجارب المضبوطة، ما يفتح مجالات جديدة أمام الصحافة العلمية لتناول موضوع «الكسل» خارج القوالب الأخلاقية المعتادة.


