يرتبط الشرود الذهني المفرط، وفق مراجعة علمية حديثة، بمجموعة واسعة من اضطرابات الصحة النفسية المعروفة، مع مستويات مرتفعة من الضيق النفسي والتداخل مع حالات إكلينيكية أخرى. وفي الوقت نفسه، لا يزال ما يُسمى بـ"الشرود الذهني غير التكيفي" خارج التصنيفات الرسمية مثل DSM وICD، رغم تراكم الأدلة الكمية الداعية إلى اعتباره ظاهرة مستقلة ذات أثر وظيفي كبير.
يستند هذا الملف إلى مراجعة نُشرت في مجلة International Journal of Psychology، تجمع بيانات أربعين دراسة نُشرت خلال نحو عقدين، وتشمل ما يقرب من 24,977 مشاركًا، وتركّز على ما يسميه الباحثون "الشرود الذهني غير التكيفي" أو "الشرود القهري". هذه الحالة تُعرَّف بوجود خيالات غامرة، مطوّلة ومتكررة، تتسم بطابع قهري وتستهلك وقتًا ملحوظًا على حساب الوظائف اليومية، المهنية والاجتماعية. وما يميّز هذه الخيالات ليس فقط كثافتها أو حيويتها، بل كون الشخص يشعر أنه "منجرف" إليها بشكل غير إرادي نسبيًا، ويستخدمها كآلية هروب أو تهدئة، رغم إدراكه لآثارها السلبية على حياته العملية وعلاقاته.
رابطة عابرة للتشخيصات
تُظهر المراجعة ارتباطات قوية بين الشرود الذهني غير التكيفي وبين الاكتئاب، والقلق، واضطرابات الانفصال، إلى جانب اضطراب الوسواس القهري واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط أو دونه. كما تسجل الدراسات علاقات ذات دلالة إحصائية مع أعراض ذهانية سابقة أو حالية، وسجل من تجارب صادمة، ومع مقاييس عامة للاضطراب النفسي عبر عينات متعددة، ما يشير إلى ظاهرة عابرة للتشخيصات التقليدية أكثر من كونها مجرد عرض ثانوي. وتُظهر بعض الأعمال السابقة، مثل دراسة الباحثة نيريت سوفر-دوديك في جامعة بن غوريون، أن نسبة كبيرة من الأشخاص المصنَّفين كمصابين بالشرود غير التكيفي تستوفي في الوقت نفسه معايير اضطرابات DSM أخرى، أحيانًا ثلاثة أو أربعة اضطرابات متزامنة، مع انتشار ملحوظ لأعراض نقص الانتباه من دون فرط نشاط.
بنية نفسية مستقلة؟
من الناحية المفاهيمية، يشير الباحثون إلى أن الشرود غير التكيفي يمكن أن يُفهم كعامل "عابر للتشخيصات"؛ أي أن خصائصه الأساسية، مثل اضطراب تنظيم الانفعالات والميل إلى اجترار خيالي شديد، تتقاطع مع حدود تشخيصية مختلفة بدل أن تنتمي إلى فئة واحدة. وتقترح بعض الدراسات نمذجة هذه الظاهرة كنوع من اضطراب انفصالي، أو شكل من أشكال الإدمان السلوكي على الخيال، أكثر منه مجرد متغير من متغيرات نقص الانتباه أو القلق. ويدعم هذا الطرح اتجاهًا بحثيًا يرى أن هناك "بنية نفسية" مميزة للشرود غير التكيفي، مع أنماط استخدام للخيال كاستجابة للتوتر أو الوحدة أو الملل تتجاوز اليومي والعادي إلى ما يرقى لدى بعض الحالات إلى مستوى الإعاقة الوظيفية.
عوالم متخيلة ووحدة وخجل
على المستوى الظاهراتي، يصف الأشخاص المصابون غالبًا عوالم متخيلة معقدة، تتضمن شخصيات وروابط سردية تتطور عبر الزمن، وتُستثار بسهولة بالموسيقى أو الروتين أو العزلة، بما يشبه "مسلسلات داخلية" تعود إليها الذات بصورة شبه منتظمة. ترتبط هذه الممارسة، في البيانات المجمّعة، بارتفاع الشعور بالوحدة، والخجل، والاستخدام المشكل للإنترنت، وظهور أعراض جسدية غير مفسَّرة طبيًا، إلى جانب انخفاض في تقدير الذات والإحساس بالكفاءة الذاتية، ما يترجم إلى تدهور ملحوظ في الأداء الأكاديمي والمهني والاجتماعي لدى بعض الأفراد. وتربط إحدى الدراسات الحديثة أيضًا بين السمات النرجسية وارتفاع الميل إلى الشرود غير التكيفي، مع اعتماد أكبر على آليات دفاع نفسية "غير ناضجة" و"عصابية"، ما يضيف طبقة من البعد الشخصي إلى الصورة الإكلينيكية.
غياب عن التصنيفات الرسمية
رغم هذا الحجم من المعطيات، لا يزال الشرود غير التكيفي خارج التصنيفات الرسمية؛ فلا يظهر مثلًا في نسخة DSM-5 الحالية أو في التصنيف الدولي للأمراض ICD الأخير، ما يخلق فجوة بين الخبرة الإكلينيكية للباحثين وبين أدوات التشخيص المعتمدة. تنتهي المراجعة إلى دعوة ضمنية لمنح هذه الظاهرة اعترافًا رسميًا، أو على الأقل تطوير أدوات تقييم معيارية لها، نظرًا لتكرار أنماط المعاناة والاختلال الوظيفي التي ترافقها عبر عينات كبيرة ومتنوعة. ومع ذلك، تبقى الأسئلة مفتوحة حول الحدود الدقيقة بين "الشرود الإبداعي أو التأملي" الذي يُعد جزءًا من الحياة النفسية العادية، وبين الشكل الكثيف القهري الذي تظهره هذه الدراسات، ما يترك مجالًا لتباين في التقدير التشخيصي بين الأطباء والباحثين.
يفتح هذا الملف، بالنسبة لمتابعي الصحافة العلمية، نقاشًا حول كيفية تعامل المنصات المتخصصة مع ظواهر لا تزال قيد التبلور المفاهيمي، حيث يساهم هذا النوع من التغطية في نقل أسئلة بحثية دقيقة حول "ظواهر رمادية" على تخوم التصنيف الرسمي إلى فضاء أوسع من الجمهور، مع خطر مواز يتمثل في تبسيط مفرط قد يحوّل كل تجربة شرود مكثف إلى "اضطراب" جاهز في المخيال العام إذا غابت الفروق الدقيقة بين المستويات والأنماط المختلفة لهذه الظاهرة. وتقدّم مصادر طبية مرجعية أخرى، مثل صفحة عيادة كليفلاند المخصصة لهذا الموضوع، إطارًا تعريفيًا وعلاجيًا تكميليًا يساعد في رسم صورة أكثر توازنًا بين التغطية الصحفية والمرجعية الإكلينيكية لهذه الحالة.


