ملك الخطأ البشري: كيف فسّر كاهنمان قراراتنا

أضيف بتاريخ 06/30/2026
منصة المَقالاتيّ

دانييل كاهنمان عالِم نفس إسرائيلي-أمريكي غيّر طريقة فهم البشر لأنفسهم، لا من خلال التحليل النفسي التقليدي، بل عبر تجارب دقيقة كشفت كيف تنزلق العقول نحو الخطأ بانتظام ودون وعي. في ديسمبر 2011، نشر الصحفي مايكل لويس، مؤلف كتاب مونيبول الشهير، بورتريهاً موسعاً في مجلة فانيتي فير تحت عنوان "ملك الخطأ البشري"، رسم فيه صورة نادرة لعالِم يضع نفسه دائماً في موضع المشكوك في حكمه.



كاهنمان، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2002، لم يكن اقتصادياً بالمعنى الأكاديمي الصارم، لكن أعماله مع شريكه أموس تفيرسكي في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته أسّست لما بات يُعرف اليوم بعلم الاقتصاد السلوكي. ثمرة تعاونهما سلسلة من التجارب النفسية التي أثبتت أن البشر يتخذون قراراتهم الاقتصادية والاجتماعية والطبية بناءً على مسارات عقلية مختصرة تُسمى "اختزالات معرفية"، وليس وفق الحساب العقلاني الذي افترضه الاقتصاد الكلاسيكي طويلاً.

لويس، في مقاله، يستحضر الصلة الجوهرية بين أعمال كاهنمان وكتابه عن البيسبول: منطق مونيبول قائم في جوهره على خطأ تقييمي متكرر يقع فيه كشّافو المواهب حين يعتمدون الحدس بدلاً من الإحصاء. الاختزال المعرفي للتمثيل، بحسب كاهنمان وتفيرسكي، يجعل العقل يحكم على احتمالية حدث ما بناءً على مدى تشابهه مع نموذج مألوف، لا بناءً على التكرار الإحصائي الفعلي. هذا بالضبط ما يفعله المُقيِّم حين يفضّل لاعباً "يبدو نجماً" على آخر تقول أرقامه عكس ذلك.

المقال يتوقف بشيء من الإطالة عند ظاهرة "الإرساء" أو الـanchoring: إطار تجريبي كشف أن الرقم الأول الذي يتلقاه الإنسان في سياق ما — حتى لو كان عشوائياً تماماً — يُلقي بظلاله على كل التقديرات اللاحقة. في إحدى تجارب كاهنمان وتفيرسكي، طُلب من المشاركين تدوير عجلة حظ مُعطَّلة تتوقف عند أرقام مسبقة التحديد، ثم تقدير نسبة مئوية لا صلة لها بذلك الرقم — فكان الرقم العشوائي يؤثر فعلياً في إجاباتهم. كتب لويس: "نحن نعيش حياتنا في استقبال إشارة جزئية التوثق من المعلومات، ونادراً ما نُقيّمها تقييماً متأنياً، وعادةً ما يكون ذلك تحت ضغط".

الخيط السردي المحوري في المقال هو ما يصفه لويس بتواضع كاهنمان الاستثنائي. بدلاً من الدفاع عن نظرياته حين تُنتقد، كان يبحث عمّن هاجموه ليدعوهم إلى التعاون معه. سلوك نادر في وسط أكاديمي يُقدّر أصحابه مواقفهم الفكرية كما يُقدّر المتقاضي قضيته. لويس يرى في هذا التواضع ليس فضيلة أخلاقية مجردة، بل امتداداً طبيعياً لمنهج علمي يؤمن بأن العقل البشري — بما فيه عقل الباحث نفسه — عُرضةٌ للالتواء.

في عام 2011 بالذات، أصدر كاهنمان كتابه التفكير السريع والتفكير البطيء، الذي شرح فيه للقراء غير المتخصصين ثنائية النظام الأول — سريع وحدسي وانفعالي — والنظام الثاني — بطيء وتحليلي ومُجهِد. الكتاب تحوّل فورياً إلى مرجع ثقافي عابر للتخصصات، ووفّر لمقال لويس في فانيتي فير أرضية التوقيت المثالي: احتفاء بعالِم عند ذروة حضوره العام.

مقال لويس ليس مجرد بورتريه. إنه تشخيص غير مباشر لثقافة القرار السائدة في الأسواق، في الرياضة، في الطب، في السياسة — ثقافة تُقدّم الثقة على حساب الدقة. كاهنمان، الذي رحل في مارس 2024 عن 90 عاماً، ترك وراءه منهجاً يُذكّر باستمرار بأن المعقولية والدقة لا تنشآن تلقائياً في العقل — بل تُبنيان بجهد واعٍ وصبور.