ثلاث طرق لكسب المال بين الوهم والحقيقة

أضيف بتاريخ 06/28/2026
منصة المَقالاتيّ

يقدّم الكاتب الأميركي المختص في الصحافة المالية جايسون زويغ قاعدة مكثّفة يختزل فيها علاقته بالعالم المهني: هناك ثلاث طرق أساسية تقريبًا لكسب العيش، تختلف باختلاف موقف صاحب المهنة من الحقيقة وتوقعات جمهوره. يستعيد زويغ هذه القاعدة في نص قصير نشره عام 2018 على موقعه الشخصي، بعد أن لاحظ تكرار طلب قرّائه جمع هذه الفكرة في مكان واحد يسهل الرجوع إليه، لتتحول منذ ذلك الحين إلى مقولة متداولة في أوساط المهنيين في المال والإعلام والاستشارات.



يُسند زويغ الفكرة إلى أحد أساتذته القدامى، من دون ذكر الاسم، ويشرح أنه يحتفظ بهذه القاعدة منذ عقود بوصفها أداة ذهنية لفهم البنية الاقتصادية للمهن التي تقوم على بيع الأفكار أو التوقعات أو accompagnement décisionnel. في صيغتها الأصلية، تنص القاعدة على أن من يختار الكذب على من يرغب في أن يُخدَع يملك الفرصة الأكبر لبناء ثروة، بينما يكتفي من يقدّم الحقيقة لمن يبحث عنها بدخل مهني مستقر، في حين يتجه من يصرّ على قول الحقيقة لمن يفضّل الأوهام إلى الخسارة المالية والفشل التجاري. هذه الصياغة المباشرة منحت الفكرة قابلية انتشار واسعة خارج الحقل المالي، لتُعاد قراءتها في سياقات متعددة، من التدريب المهني إلى ريادة الأعمال والاستشارات الشخصية.

في المثال المالي الذي يشكّل خلفية عمل زويغ، تبدو هذه القاعدة وصفًا مكثفًا لبنية قطاع صناعة التوقعات والمنتجات الاستثمارية. فالطرف الأول يتماهى مع نماذج المروجين لفرص الربح السريع والضمانات المبالغ فيها، الذين يكيّفون خطابهم مع طلب جزء من الجمهور على الوهم ووعود الأداء الاستثنائي. أما الطرف الثاني فيمثل فئة المستشارين والمحاورين الماليين الذين يقدّمون سرديات واقعية تعتمد الحذر وإدارة المخاطر، مستندين إلى أعمال زويغ الأخرى حول سلوك المستثمرين مثل كتابه عن العلاقة بين «المال والدماغ» وعموده الدوري في صحيفة «وول ستريت جورنال» المعنون «The Intelligent Investor». في المقابل، يضع زويغ الفئة الثالثة في خانة من يلتزمون خطابًا حقيقيًا في أسواق لا تكون فيها الحقيقة منتجًا مطلوبًا تجاريًا، ما يجعل نموذجهم الاقتصادي هشًا أو غير قابل للاستدامة.

خارج الحقل المالي، التقط عدد من الممارسين في مجالات التدريب والاستشارات هذه القاعدة واعتبروها وصفًا صالحًا لمهن تقوم على بيع خطاب معياري أو وعود بالتحول الشخصي. ففي منشورات متداولة على منصات مهنية مثل لينكد إن، يعاد توظيف عبارة زويغ كما هي تقريبًا لتفسير الفارق بين المدربين الذين يبنون قاعدة زبائن كبيرة عبر وعود مبسّطة بالتغيير السريع، وأولئك الذين يضعون حدودًا واضحة لما يمكن تحقيقه ويربطون النتائج بعمل طويل المدى. هذا التوسّع في استخدام الفكرة يعكس جاذبية بنيتها الثلاثية البسيطة، التي تقدم في بضعة أسطر خريطة لعلاقة غير متوازنة بين العرض (الحقيقة أو الوهم) والطلب (توقعات الجمهور واستعداده لسماع ما لا يرضيه).

في السياق الإعلامي، تُقرأ القاعدة أحيانًا كأداة تفسير لسوق المحتوى الرقمي القائم على الجذب الخوارزمي. فالنموذج الأول يقترب من ممارسات إنتاج خطاب متحيز أو عناوين مصممة لتأكيد قناعات الجمهور المسبقة، مع قابلية monetisation عالية عبر الإعلانات وجماهيرية موسّعة. النموذج الثاني يحيل إلى صحافة تفسيرية أو تحليلية تستهدف جمهورًا محدودًا مستعدًا لبذل جهد لفهم المعطيات، ما يسمح ببناء نموذج اقتصادي مقبول لكنه أقل ربحية. أما النموذج الثالث فيطابق حالات منصات أو أصوات تصر على مقاربة مواضيع حساسة بلغة غير شعبوية، في بيئات تتكاثر فيها حوافز تأكيد الانحيازات القائمة، ما يضع هذه المنصات أمام معضلة دائمة بين الاستدامة المالية والمحافظة على خط تحريري صارم. هذا التفسير لا يرد نصًا لدى زويغ، لكنه يستند إلى قابلية تطبيق قاعدته على كل مهنة تقوم على médiation cognitive بين منتِج ومتلقي.

انتشار هذه القاعدة القصيرة يعيد أيضًا طرح سؤال قديم حول العلاقة بين الأخلاقيات المهنية والجدوى الاقتصادية. فالنص الأصلي لا يقدم وصفة أو توصية، بل يكتفي بتقرير مفارقة: المنظومات الاقتصادية قد تكافئ في بعض الحالات من يكيّف خطابه مع طلب الجمهور على الطمأنة، أكثر مما تكافئ من يصر على مواجهة هذا الجمهور بتعقيد الواقع وعدم قابليته للاختزال. لذلك تجد القاعدة صدى لدى الصحفيين والكتّاب والمستشارين الذين يشتغلون على حدود دقيقة بين الحفاظ على الثقة العامة وبين تلبية ضغط السوق على محتوى سهل الاستهلاك وسريع التداول. كما أن تحويل هذه الفكرة إلى مادة دائمة التذكير في كتابات زويغ وظهوره المتكرر في حوارات متعلقة بسلوك المستثمرين ساهم في تكريسها كجزء من «أدوات العمل» غير الرسمية لفهم صناعة المال والإعلام معًا.