يبدو المصطلح وكأنه نكتة لغوية في بادئ الأمر: كلمة "seenager" تجمع بين "senior" الكبير في السن وكلمة "teenager" المراهق. غير أنه، منذ أن أطلق عليه المجلة البرتغالية Visão هذا الاسم ونشر التقرير عنه قبل نحو عقد من الزمن، راح يُحكم قبضته على خطاب وسائل الإعلام الغربية كظاهرة اجتماعية لا تُردّ. فالمتقاعد الجديد لا يجلس في كرسي هزاز ولا يترقَّب نشرة الأخبار المسائية؛ بل يخرج للتزلج على الجليد، يتابع التيك توك، ويُبلِّغ ذويه أنه سيقضي الشتاء في تايلاندا وحده.
النمط واضح في أرقامه: وفق ما رصده تقرير السوق العالمية لاقتصاد الفضة لعام 2025، تبلغ قيمة السوق المخصصة للخدمات والمنتجات الموجَّهة لمن تجاوزوا الستين من العمر 4.2 تريليون دولار، وتنمو بمعدل سنوي يبلغ 7.6%. ويُمثِّل قطاع الترفيه والسياحة والتعليم وحده 800 مليار دولار، وهي دلالة ساطعة على أن هؤلاء المتقاعدين ليسوا مستهلكين سلبيين للرعاية، بل مُنفِقون نشطون على التجارب الحياتية. أما عدد من بلغوا هذه الفئة العمرية فيُقدِّر تقرير صندوق النقد الدولي ارتفاعه من 1.2 مليار اليوم إلى ما يتجاوز ملياريَن بحلول عام 2050.
المفارقة أن "الـseenager" لا يُعرَّف حصراً بما يفعله، بل بما يرفضه. يرفض تعريف الشيخوخة بالكفّ عن الحلم، يرفض توقُّع أن يُفسح المجال للأجيال التالية، ويرفض الالتزام بما يُصفه موقع Cap Retraite بـ"التضحية من أجل الآخرين". وهذا الرفض تحديداً هو ما يجعل الظاهرة مثيرة للجدل من الناحية الاجتماعية، إذ يُفكِّك ضمنياً صورة الجد الراعي والجدة الحاضنة لصالح "أنا" مستقلة تُقدِّم إشباعها الشخصي على الواجب الأسري. يرى المنتقدون في ذلك تعبيراً عن أنانية جيلية، بينما يراه المؤيدون إعادة توزيع عادلة لوقت الحياة الذي أُهدر لعقود في خدمة المؤسسة والعائلة.
ومن المنظور السوسيولوجي، ينحدر معظم هؤلاء من جيل الـ"baby boomers"، المولودين بين 1946 و1964، وهم من عاشوا يفاعتهم على وقع ثورات القيم الغربية في الستينيات والسبعينيات. كما يُشير باحثون في معهد العلوم الاجتماعية إلى أن هذا الجيل، الذي رسّخ الفردانية معياراً ثقافياً، جاء إلى التقاعد بحقيبة من القيم لا يعتزم التخلي عنها. وقد كفلت لهم التحسينات الطبية الهائلة وارتفاع معدلات الصحة في مرحلة ما بعد الخمسين قدرة جسدية وذهنية تتيح حياة نشطة لفترة أطول بكثير مما كان عليه الحال في الأجيال السابقة.
بيد أن هذه الصورة الزاهية لا تعكس واقع الجميع، إذ تفترض أساساً ماديّاً متيناً غير مُتاح لشريحة واسعة من المتقاعدين. ففي فرنسا مثلاً، أفادت الـDREES بأن نظام التقاعد استنزف 370 مليار يورو في عام 2023 وحده، لكن التوزيع بالغ التفاوت، حيث تتقاضى النساء معاشات أدنى بنسبة 38% من نظيراتها للرجال. كما تُشير تقارير منظمة العمل الدولية OCDE لعام 2025 إلى أن تراجع معدلات التوظيف يبدأ بحدة بعد سن الستين، مما يعني أن كثيرين يغادرون سوق العمل قبل أن يجمعوا ما يكفي لتمويل تقاعد بهذا المستوى من الحرية. ويُحذِّر اقتصاديون من أن استمرار نسبة الناشطين اقتصادياً إلى المتقاعدين في التراجع، إذ انتقلت من أربعة عاملين مقابل كل متقاعد عام 1960 إلى 1.7 فحسب اليوم، قد يُهدد التماسك الاجتماعي على المدى البعيد.
ثمة أيضاً بُعد جغرافي وثقافي يُقلِّص مفهوم "الـseenager" ويحصره في بيئات محددة. ففي المجتمعات التي لا تزال تُقدِّم العلاقة التضامنية الأسرية بوصفها العمود الفقري لرعاية المسنين، يبدو هذا النموذج رفاهية لا يُترجَم. يكشف في هذا السياق تقرير المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب أن البنية الأسرية تبقى الملاذ الأول للمسنين في غياب منظومة تقاعد شاملة، لا سيما في الأرياف. وبينما يُحتفى في العواصم الأوروبية بـ"الـseenager" كأيقونة تحرر، يُشكِّل تكريس الاعتماد الذاتي المطلق انزلاقاً نحو نموذج يُقلِّص دور الترابط العائلي والمجتمعي.
لا يُمثِّل نموذج "الـseenager" ظاهرة عابرة أو موضة صحافية، بل يُجسِّد تحولاً بنيوياً في تعريف الذات والوقت والحرية خلال مرحلة ما بعد الإنتاجية. إنه مرآة لتوترات جيلية عميقة: بين الحق في الاستمتاع بحياة بعد العمل ومسؤولية التضامن بين الأجيال، بين الرغبة الفردية في التحرر وضرورات الاستدامة الاجتماعية. وكلما اتسعت هذه الظاهرة وامتدت جغرافياً، ازدادت الحاجة إلى مساءلة الأنظمة السياسية والاقتصادية التي تُتيحها لبعضهم وتحجبها عن سواهم.


