هل يجب أن تمارس النساء الرياضة بطريقة مختلفة عن الرجال، وخصوصاً بعد سن الأربعين، مع تقليل الاعتماد على التمارين القلبية الطويلة؟ هذا هو السؤال المحوري الذي يناقشه المقال المنشور في صحيفة The Guardian، والذي يستند إلى خبرات مدرِّبات وباحثين في فسيولوجيا التمرين لدى النساء في منتصف العمر وما بعده.
يركز المقال على أن جزءاً كبيراً من الرسائل الرياضية التي استهدفت النساء خلال العقود الماضية شجّع على الجري لمسافات طويلة، وتمارين الكارديو المستمرة منخفضة الشدة، باعتبارها الطريق الأساسي للرشاقة والصحة، بينما أهملت هذه الرسائل أهمية بناء الكتلة العضلية والقوة، رغم أن تدهور الكتلة العضلية بعد الأربعين يرتبط مباشرة بتراجع القدرة الوظيفية وزيادة مخاطر السقوط والأمراض المزمنة عند التقدم في العمر. ويعرض النص رؤية عدد من المدربات المتخصصات في تدريب النساء خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث وما بعده، ممن يعتبرن أن التركيز المفرط على الجري المستمر أو حصص الكارديو الطويلة قد لا يكون الصيغة الأكثر فاعلية لصحة المرأة بعد سن معينة، مقارنة باستراتيجيات تجمع بين تمارين المقاومة، والحركة اليومية المعتدلة، وبجرعات مدروسة من الكارديو عالي الشدة نسبياً.
ويستند المقال إلى المعطيات الفسيولوجية المتعلقة بانخفاض الإستروجين في مرحلة ما حول انقطاع الطمث، إذ يوضح أن هذا الانخفاض يؤثر في توزيع الدهون، وكثافة العظام، والكتلة العضلية، ما يجعل بناء القوة والحفاظ عليها هدفاً صحياً مركزياً للنساء بعد الأربعين. ومع ذلك، لا يدعو النص إلى إقصاء الكارديو أو التوقف عنه، بل إلى إعادة توزيع الجهد بحيث لا تبقى الرياضة مرادفة للجري لساعات، بل تشمل كذلك رفع الأثقال بدرجات مقاومة تدريجية، وتمارين القوة باستخدام وزن الجسم، وأنماطاً مختلفة من الحركات التي تحافظ على التوازن والمرونة، مع الإقرار بأن استجابة الجسم الأنثوي للتدريب قد تختلف خلال الدورة الشهرية أو في مراحل اضطراب الهرمونات. ويشدد المقال على أن البرامج الموحدة التي صممت أساساً لرجال أصغر سناً لا تراعي هذه الفوارق الهرمونية والعمرية، ما يجعل توصيف «برنامج نسائي» مجرد تسمية تسويقية إذا لم يتضمن تعديلات حقيقية في نوع التمرين، شدته، وفترات التعافي.
من زاوية أخرى، يلفت المقال إلى أن الكثير من النساء في منتصف العمر يحملن ذاكرة طويلة من علاقة متوترة مع الرياضة مرتبطة بالحمية وفقدان الوزن، حيث تُستخدم حصص الجري أو الكارديو كأداة تعويضية عن «سعرات حرارية زائدة»، الأمر الذي يعزز شعوراً دائماً بالضغط والذنب بدل أن يجعل النشاط البدني مساحة لتحسين المزاج ودعم الصحة طويلة الأمد. وفي هذا السياق، تظهر مقاربة بعض المدربات، ومن بينهن المدربة التي تُقتبس منها أفكار المقال عبر منصات مثل Amanda Thebe، والتي تحاول إعادة تعريف الهدف من التمرين لدى النساء فوق الأربعين، من التركيز على الوزن إلى التركيز على القوة، الاستقلالية الجسدية، والقدرة على أداء المهام اليومية بسهولة في مراحل لاحقة من العمر. ويبرز المقال أن هذا التحول في الأهداف يتطلب إعادة النظر في الوقت المخصص للرياضة، بحيث يُخصَّص جزء أكبر منه لتمارين مقاومة منتظمة، مع الإبقاء على جرعة من الكارديو لدعم صحة القلب والأوعية الدموية، ولكن دون أن يكون هو المكوّن الوحيد أو المهيمن.
ويتطرق النص إلى النقاش الدائر حول مقدار الكارديو المناسب بعد الأربعين، إذ لا يقدّم جواباً واحداً قاطعاً بقدر ما ينقل إجماعاً عاماً مفاده أن الاستمرارية، والتدرج، والانتباه إلى الإشارات التي يرسلها الجسم، أهم من بلوغ أرقام معينة في عدد الكيلومترات أو الدقائق. وتوضح الآراء المعروضة أن النساء اللواتي يشعرن بإجهاد مبالغ فيه، أو اضطراب في النوم، أو صعوبة في التعافي بين الحصص، قد يكن يحتجن إلى تقليل حجم الكارديو المرتفع الشدة أو الطويل المدة، وتعويض جزء منه بتمارين قوة، أو بفترات راحة كافية، أو بأنشطة أقل ضغطاً مثل المشي السريع أو السباحة. كما يشير المقال إلى ضرورة مراعاة وجود حالات صحية مرافقة، مثل هشاشة العظام أو آلام المفاصل، ما يفرض تعديلات فردية على نوع وشدة التمرين، ويعزز الحاجة إلى استشارة مختصين في الطب الرياضي أو العلاج الفيزيائي عند الحاجة.
ويحمل المقال بعداً اجتماعياً وثقافياً، إذ يربط بين تصور الجسد الأنثوي في المجتمعات الغربية وبين توقعات غير معلنة من النساء بأن يحافظن على مظهر «شبابي» من خلال الالتزام بروتين رياضي صارم، وهو ما يجعل بعضهن يشعرن بالفشل إذا لم يستطعن الالتزام بكارديو مكثف كما كن يفعلن في العشرينات أو الثلاثينات. في المقابل، تتبنى الأصوات التي يعرضها النص مقاربة أكثر واقعية لمرحلة منتصف العمر، ترى في التمرين وسيلة للتكيف مع المتغيرات الهرمونية والبدنية، وليس محاولة لمحوها أو إنكارها، وتشجع النساء على قبول تغير الإيقاع والتنقل بين أنواع التمرين بمرونة، تبعاً لنوعية النوم، والضغط النفسي، والأعباء المهنية والأسرية. ويخلص المقال إلى أن السؤال الأهم قد لا يكون ما إذا كانت النساء بحاجة إلى «التوقف» عن الكارديو بعد الأربعين، بل كيف يمكن إعادة تشكيل علاقتهم بالحركة لتصبح أكثر تناغماً مع احتياجاتهن الواقعية، بما يدمج بين الحركة اليومية، تمارين القوة، والكارديو المعتدل، في إطار رؤية طويلة الأمد لصحة الجسد والعقل.


