كيف تُعمّق تكاليف الجنازات أعباء الفقر في إفريقيا

أضيف بتاريخ 05/29/2026
منصة المَقالاتيّ

تطرح دراسة حديثة منشورة على منصة «Substack» تحت عنوان «How funerals keep Africa poor» للكاتب ديفيد أوكس مقاربة مختلفة لمسألة الفقر في عدد من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، إذ تنقل النقاش من مستوى المؤشرات الكلية التقليدية إلى مستوى الممارسات الاجتماعية اليومية، وعلى رأسها الطقوس الجنائزية المكلفة التي تحوّل وفاة فرد واحد إلى صدمة مالية تمتد لسنوات داخل أسر محدودة الدخل. تقوم الفكرة المحورية في هذا التحليل على أن منظومات القرابة الواسعة لا تكتفي بتوفير التضامن الاجتماعي، بل تفرض في الوقت نفسه التزامات مالية ثقيلة في مناسبات معينة، فيتحول الإنفاق على الجنازات من تعبير رمزي عن الاحترام إلى آلية منظمة لاستنزاف المدخرات وإعادة توزيع الدخل بشكل يعرقل تراكم رأس المال لدى الأفراد.



ينطلق الكاتب من ملاحظة أن جزءا مهما من أفقر الفئات في العالم ينتمي إلى مجتمعات تستثمر مبالغ كبيرة في مراسم تشييع ودفن الموتى، مقارنة بدخولها السنوية المحدودة. في عدد من الدول الإفريقية، تمتد مراسم الوداع أياما عدة، وتجمع مئات أو آلاف المشاركين، وتستلزم مصاريف ضخمة للطعام والشراب واللباس والنقل، إضافة إلى تكاليف التابوت والدفن والطقوس المصاحبة. هذا النمط من الإنفاق الاستعراضي لا يُنظر إليه اجتماعيا باعتباره اختيارا فرديا، بل باعتباره التزاما جماعيا يحدد مكانة الأسرة داخل شبكة القرابة الواسعة، ما يدفع الأسر إلى قبول أعباء مالية تتجاوز كثيرا قدراتها الحقيقية، خشية أن تُقرأ أي محاولة للتقشف على أنها تقليل من قيمة المتوفى أو تقصير في واجب الاحترام تجاه العائلة الكبيرة.

ويقدّم التحليل أمثلة من بلدان مثل غانا ونيجيريا وكينيا لتوضيح حجم الظاهرة من خلال أرقام تقريبية متداولة في الأدبيات البحثية والمواد التفسيرية. في غانا، يمكن لأسرة متوسطة أن تخصّص ما بين عشرة وخمسين في المئة من مدخراتها لتمويل جنازة واحدة، بينما تصل بعض المناسبات الكبرى إلى مستويات إنفاق تماثل أو تتجاوز الناتج المحلي للفرد خلال عام كامل، مع ما يرافق ذلك من مصاريف لوجستية وترفيهية إضافية. في نيجيريا، تشير تقديرات صحفية وتحليلات اجتماعية إلى أن جنازة متوسطة قد تكلف عدة آلاف من الدولارات، وهو مبلغ يُعد ضخما في سياق مستويات الدخل المتاحة، ويجبر العديد من الأسر على الاستدانة أو بيع أصول صغيرة مملوكة لها. أما في بلدان شرق إفريقيا، فيظهر النمط نفسه مع اختلاف في التفاصيل الطقوسية، حيث تتكرر حالات إنفاق استثنائي على مراسم الدفن في القرى والمدن على حد سواء.

يستخدم أوكس مفهوم «ضريبة القرابة» لوصف الطريقة التي تُدار بها هذه الالتزامات داخل المجتمعات التي تقوم بنيتها الاجتماعية على العائلة الممتدة والعشيرة، في غياب أنظمة رفاهية رسمية فعالة. في مثل هذه السياقات، تعمل شبكة الأقارب كجهاز حماية بديل يوفر الدعم في حالة المرض أو البطالة أو الشيخوخة، غير أن هذا الضمان يرافقه توقع دائم بالمشاركة المالية في مناسبات الأسرة الموسعة، بما في ذلك الجنازات والأعراس والاحتفالات ذات الطابع الديني أو العرفي. الشخص الذي ينجح اقتصاديا داخل هذه الشبكة يجد نفسه مطالبا بشكل غير معلن بتحمل نصيب أكبر من الأعباء، بحيث تتحول أي إشارة إلى تحسن مستوى العيش أو زيادة الدخل إلى دعوة ضمنية لطلبات متزايدة من محيطه العائلي. يذهب الكاتب إلى أن هذا الوضع يدفع بعض الأفراد إلى إخفاء جزء من مداخيلهم أو تجنب الاستثمارات الظاهرة لتقليل تعرضهم لهذه الالتزامات، وهو ما يحد من المبادرة الاقتصادية ويشجع على أشكال مختلفة من الاقتصاد غير الرسمي.

ينبه المقال إلى أن المنطق الاقتصادي الكامن خلف الطقوس الجنائزية لا يمكن فصله عن بنية الدولة وقدراتها في هذه البلدان. حين يكون تأمين التقاعد أو الرعاية الصحية أو الدعم الاجتماعي ضعيفا أو غير متاح، تصبح الأسرة الممتدة المصدر الأساسي للأمان، وتصبح شبكة القرابة مسؤولة فعليا عن تعويض غياب المؤسسات العمومية في إدارة المخاطر المرتبطة بالحياة اليومية. هذا الدور التعويضي يمنح العشيرة سلطة معنوية واجتماعية واسعة، تسمح بتثبيت أعراف إنفاقية صارمة في مناسبات مثل الجنازات، بحيث يتحول الكرم المفرط إلى معيار أساسي للحكم على التزام الفرد أو الأسرة تجاه الجماعة، حتى عندما يؤدي ذلك إلى التورط في ديون كبيرة أو إلى تصفية مدخرات سنوات من العمل.

من زاوية اقتصادية بحتة، يقسّم أوكس آثار هذا النظام إلى ثلاثة مسارات مترابطة: تآكل الادخار الأسري، وما يسميه «الضريبة الصامتة على النجاح»، ثم تراكم الديون عبر الأجيال. في المسار الأول، تُستهلك المدخرات التي كان يمكن توجيهها نحو الاستثمار في التعليم أو المشاريع الصغيرة أو الأصول المنتجة في تمويل حدث طقوسي قصير الأمد، الأمر الذي يحرم الأسر من فرصة تحسين وضعها الاقتصادي مستقبلا. في المسار الثاني، تتحول أي زيادة في دخل أحد أفراد العائلة إلى إشارة تنبه شبكة القرابة إلى توفر موارد إضافية، فتزداد المطالب بالمساهمة في تمويل المناسبات، وهو ما يخلق حافزا سلبيا تجاه إظهار النجاح الاقتصادي بشكل علني. أما المسار الثالث، فيتجلى في اللجوء إلى القروض غير الرسمية أو الآليات الائتمانية التقليدية لتغطية التكاليف، مما يفرض التزامات طويلة الأمد على الأسرة ويقيّد قدرتها على الادخار أو الاستثمار لسنوات لاحقة.

مع ذلك، لا يقدّم الكاتب الظاهرة بوصفها مجرّد سلوك استهلاكي غير عقلاني، بل يقرّ بأن لهذه الممارسات أبعادا رمزية ووظيفية معقّدة في المجتمعات التي تفتقر إلى مؤسسات قوية. الجنازة هنا ليست فقط مناسبة للحزن، بل لحظة اجتماعية يعاد فيها تأكيد روابط القرابة وتوزيع الأدوار والتزامات الدعم المتبادل بين الأحياء، ما يمنحها وزنا معنويا يصعب تجاوزه عبر مقاربة اقتصادية ضيقة. غير أن السؤال الذي يطرحه التحليل يتعلق بمدى استدامة هذا النموذج في سياق يتطلّب تراكم رأس المال البشري والمالي لتحقيق تنمية واسعة، خاصة مع توسع المدن وظهور طبقات وسطى جديدة تبحث عن توازن بين متطلبات الانتماء العائلي ومتطلبات الاستقلال الاقتصادي

يطرح أوكس في ختام مقاله فرضية مفادها أن انتشار الأدوات المالية الحديثة، وخاصة الخدمات الرقمية التي تتيح ادخار الأموال وتدويرها في قنوات أقل شفافية تجاه المحيط الاجتماعي، قد يساهم في تخفيف حدة هذه الضغوط بمرور الوقت. فوجود حسابات مصرفية فردية، ومنتجات ادخار واستثمار أكثر تنوعا، ونظم تأمين صحية وتقاعدية أوسع، يمكن أن يعيد التوازن بين منطق القرابة ومنطق السوق، ويمنح الأفراد مساحة أكبر لتحديد أولويات إنفاقهم دون أن يفقدوا بالكامل شبكة التضامن التي يعتمدون عليها تقليديا. مع ذلك، يبقى هذا التصور رهينا بقدرة الدول على توسيع شمول الخدمات المالية الرسمية، وبمستوى الثقة في المؤسسات، وبإمكانية طرح نقاش مجتمعي هادئ حول كلفة الطقوس الجنائزية وآثارها طويلة المدى على الأجيال المقبلة.