تقدم هذه المادة حوارا مطولا مع المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة التونسية رياض الشعيبي، يرسم من خلاله صورة قاتمة لما آلت إليه أوضاع دول موجة 2011، معتبرا أن ما تعيشه المنطقة اليوم هو حالة «جزر» تاريخي بعد لحظة تحرر قصيرة، وأن الشعوب دخلت في ما يشبه الهزيمة النفسية قبل الهزيمة السياسية والمادية. يربط المتحدث هذا التراجع بضعف البنى الداخلية لهذه الدول، وبشبكات مصالح راسخة في أجهزة الحكم، وبعامل خارجي لم يغفر للثورات محاولتها إدخال العالم العربي إلى نادي الديمقراطيات المعترف بها دوليا.
في توصيف الحالة العربية الراهنة، يرى الشعيبي أن الكتلة التي خاضت تجربة الربيع العربي تبدو مستقرة على الورق، بينما تخفي تحت سطحها اختناقا اقتصاديا، وتآكلا لشرعية السلطة، وتشتتا في صفوف المعارضة، وتعاملا دوليا محكوما بمنطق الوظائف الأمنية أكثر من الانشغال بتحول ديمقراطي حقيقي. ويعتبر أن التراجع عن الحقوق والحريات، مقترنا بتدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، يمثل أهم علامات «الانحدار الديمقراطي» كما يعرفه علم الانتقال السياسي، لأن المسار لا يقاس بالنصوص بل بمدى صون الكرامة الإنسانية في الممارسة اليومية. في هذا السياق، تصبح البطالة، وغلاء الأسعار، والعجز عن توفير الخدمات الأساسية، جزءا من منظومة واحدة مع التضييق على التعبير والتنظيم، لا مجرد ملفات منفصلة.
ينتقل الحوار إلى تفكيك التجربة التونسية بوصفها نموذجا، حيث يستعيد الشعيبي مسار صعود الرئيس قيس سعيّد من هامش الحياة الحزبية إلى قمة السلطة، اعتمادا على خطاب «الإنقاذ» من الفساد والأزمة الاقتصادية والتبعات الصحية لجائحة كورونا. وفق هذا العرض، استند الرئيس إلى حالة فراغ سياسي، وتشتت حزبي، وتضخم في مشاعر السخط تجاه النخب، ثم استثمر رمزيته كمرشح «خارج المنظومة» ليحصل في الدور الثاني من انتخابات 2019 على دعم أغلب القوى التي لم ترد عودة المنظومة القديمة ولا صعود مرشح شعبوي آخر متهم بالفساد. غير أن حصيلة السنوات اللاحقة، كما يصفها المتحدث، جاءت مخالفة لوعود الإنقاذ، مع تفاقم العجز المالي، واختلال التوازنات الخارجية، وتراجع القدرة على توريد المواد الأساسية والأدوية، وصولا إلى طوابير الخبز وقوائم الأدوية المفقودة في بلد لم يعرف تاريخيا هذه المشاهد.
في موازاة هذا الانحدار الاقتصادي والاجتماعي، يعرض الشعيبي تصورا لتحول عميق في بنية النظام السياسي، إذ يتم تصوير دستور 2022 باعتباره نقل البرلمان والقضاء من خانة «السلطات» إلى خانة «الوظائف»، بما أعاد تجميع ركائز القرار في يد رئيس الجمهورية. يربط المتحدث بين هذا التركيز غير المسبوق للصلاحيات وبين تعطل المرفق العام، مع تشبيه لافت لرئيس يملك كل أدوات الدولة دون أن يحسن إدارتها، بما يؤدي إلى ضرب المؤسسات وإضعاف الثقة العامة. وتُستعاد بالمقابل تجربة دستور 2014 التي قامت على توزيع السلطة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبرلمان والبلديات، باعتبارها محاولة لتجاوز إرث الدولة المركزية الرئاسوية، قبل أن يجري الانقلاب عليها بفعل توازنات جديدة داخلية وخارجية.
في هذا الإطار، يحتل ملف راشد الغنوشي موقعا مركزيا في الحوار، ليس بوصفه مجرد سجين سياسي مسن، بل كرمز لمرحلة الانتقال الديمقراطي التي يراد ـ بحسب الشعيبي ـ محاكمتها كاملة. يورد المتحدث تفاصيل عن وضع الغنوشي الصحي في سجن المرناقية، وعن ندرة زيارات أسرته بسبب القيود المفروضة، إلى جانب الإشارة إلى أحكام قضائية متراكمة تلامس مئة سنة سجنا في قضايا يعتبرها دفاعه إما مفبركة أو مبنية على تأويل سياسي لتصريحات تتعلق بالدعوة إلى الحوار والتعايش. ويمتد الحديث ليشمل قيادات إسلامية وعلمانية أخرى، من رؤساء حكومات سابقين إلى نواب ووزراء، بوصفهم جزءا من «مرحلة» كاملة يجري تجريمها، أكثر مما يجري التعامل مع أفراد بعينهم.
تخرج القراءة من النطاق التونسي إلى مستوى أوسع، حيث يقدم الشعيبي تصورا لعلاقة ملتبسة بين الديمقراطية العربية المحتملة وبين «النادي الديمقراطي الدولي» الذي تهيمن عليه القوى الغربية. يستحضر المتحدث الثورة الفرنسية، وانقلاب 1981 الفاشل في إسبانيا، ومسار إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، ليبين كيف يمكن للقرار الخارجي أن يحمي تجربة ناشئة أو يتركها وحيدة أمام أزماتها الداخلية. ويستشهد بحالات مثل تركيا وإيران لتأكيد أن استكمال الشروط الإجرائية للديمقراطية لا يكفي، ما دامت العضوية في النادي تخضع لعوامل جيوسياسية وثقافية، وكأن العالم الليبرالي لا يفتح أبوابه بسهولة لدولة من الجنوب أو من الفضاء العربي الإسلامي.
في هذا السياق، يتوقف الشعيبي عند تجربة تونس مع المؤسسات المالية الدولية، وخصوصا صندوق النقد، مستحضرا حالة تجميد شريحة من قرض في 2013 إلى حين استقالة حكومة علي العريض، باعتبارها مثالا على تداخل المشروطية الاقتصادية مع حسابات سياسية داخلية. كما يورد حالة حوار في البرلمان مع مسؤول ألماني ربط تسهيل القروض بإقرار تشريعات متعلقة بالحريات الفردية، ليخلص إلى أن جزءا من الضغط الدولي لم يذهب إلى دعم استقرار ديمقراطي طويل المدى، بقدر ما اتخذ شكل ابتزاز أو نقل لأجندات قيمية جزئية. هذا كله يوظف لتأكيد فكرة أن التجربة التونسية لم تحظ بالدعم الاقتصادي والسياسي الذي كان يمكن أن يحولها إلى نموذج ناجح للاستقرار الديمقراطي في جنوب المتوسط.
يحضر العامل العسكري أيضا في هذا التحليل، عبر استعادة مسار المؤسسة العسكرية التونسية التي ظلّت ضعيفة وهامشية في عهدي بورقيبة وبن علي، قبل أن تشهد عملية تأهيل بعد الثورة، كان الهدف المعلن منها إدماج الجيش في حماية البناء الديمقراطي. يشير الشعيبي إلى مشاركته في دورة للمؤسسة العسكرية حول دور الجيوش في الانتقال الديمقراطي، وإلى زيارات إلى مؤسسات أمريكية تداخل فيها الحضور المدني والعسكري، ليخلص إلى أن الاستثمار في الجيش بعد 2011 انتهى عمليا إلى توظيفه في لحظة 25 يوليو 2021 لإسناد مسار عكسي أعاد البلاد إلى الحكم الفردي. ومن هنا ينبع استنتاج بأن بناء الثقة بين المدني والعسكري ظل هشا، وأن الميراث العربي في علاقة الجيوش بالسلطة لم يُستوعب بشكل يسمح بتحويل هذه المؤسسات إلى رافعة انتقال سياسي بدل أن تظل أداة تعطيله.
على مستوى الحركات الإسلامية، يقدم الشعيبي قراءة دفاعية – نقدية في آن واحد، إذ يرفض اختزال مصير الإسلاميين في مشهد السجون والمنفى، مؤكدا أن حجم القمع الذي تعرضت له حركة النهضة في عهد بن علي لم يمنعها من العودة بقوة فور فتح المجال العام بعد 2011. يربط هذا الاستمرار بمعادلتين يعتبرهما سر قوة الإسلام السياسي: الارتكاز على المرجعية الثقافية والدينية للمجتمع، وتبني القضايا الكبرى ذات الصدى الشعبي، من مقاومة الاستعمار إلى الدفاع عن الحريات والهوية. لكنه في الوقت ذاته يعترف بجملة من الأخطاء، من غياب رؤية واضحة لإدارة الانتقال، إلى الانجرار إلى سجالات هوياتية حادة، فإلى هندسة تحالفات أضرت بصورة الحركة، وتأخر في إدراك الوزن الحاسم للعامل الدولي في تقرير مصير التجارب الديمقراطية الناشئة.
من زاوية أوسع، يضع الشعيبي ما يجري اليوم في خانة «ارتدادات جزئية» داخل مسار تاريخي طويل لتحرر الشعوب العربية، محذرا من إسقاط أحكام نهائية على الثورات استنادا إلى لحظة انكسار واحدة. يستدعي في هذا الإطار كتاب «ولادة وموت الديمقراطية» لجون كين للتأكيد على أن بناء نظم ديمقراطية في التاريخ العالمي ارتبط بمجازر وصدمات كبرى، وأن تثبيت قواعد اللعبة يحتاج أجيالا، لا عقدا واحدا. ومن ثَمّ، يصبح الربيع العربي، في هذه القراءة، فصلا تأسيسيا لا تكتمل نتائجه إلا عبر موجات لاحقة من الإصلاح والثورات التصحيحية، لا عبر تكرار لحظة الانفجار الأولى.
في القسم الختامي، يتطرق الحوار إلى سؤال العنف والعمل المسلح، في ضوء مثال المعارضة السورية المسلحة، مع طرح فرضية أن السلاح كان هو الضامن الوحيد لاستمرار بعض التجارب الثورية. يرفض الشعيبي تحويل هذا المثال إلى نموذج، متمسكا بما يسميه «العمل المدني السلمي» نهجا أصيلا للحركات الإسلامية الوسطية، حتى إن كان طريقا بطيئا ومكلفا. ويستند إلى خلفية دينية في تبرير الصبر على الأثمان الباهظة، مع تأكيد قناعته بأن اللجوء إلى العنف في إدارة الصراع الداخلي يفتح الباب أمام دوامة لا تنتهي، ويقوض الأساس الأخلاقي والسياسي لأي مشروع إصلاحي يريد أن يستند إلى مجتمع لا إلى ميليشيا.


