يعرض كتاب "Range: Why Generalists Triumph in a Specialized World" للصحافي والكاتب المتخصص في العلوم ديفيد إبستين أطروحة معاكسة للاتجاه السائد في عصر التخصص المبكر، إذ يدافع عن فكرة أن أصحاب الخبرات المتنوعة والمتأخرة يجدون في الغالب طريقهم إلى التفوق في مجالات معقدة لا تخضع لقواعد ثابتة. ينطلق المؤلف من مراجعة موسعة لمسارات رياضيين وفنانين وعلماء ومخترعين وحائزين على جوائز نوبل ليبيّن أن كثيرًا من النماذج التي تُقدَّم كنموذج للمسار المبكر والمنضبط، كما في حالة عازف التينيس روجر فيدرر مقابل قصة التدرج الصارم لتايغر وودز، لا تعكس الصورة الكاملة عن علاقة الزمن بالتخصص والنجاح.
يضع إبستين تمييزًا حاسمًا بين ما يسمّيه "البيئات المنضبطة" و"البيئات المتقلبة"، مستعينًا بأدبيات علم النفس المعرفي وعلوم القرار؛ ففي بيئات مثل الشطرنج أو بعض مجالات الرياضات الفردية، تكون القواعد واضحة والتغذية الراجعة سريعة ودقيقة، ما يجعل التكرار المنهجي والخبرة الضيقة طريقًا فعّالًا نحو الإتقان. أما في المجالات التي تتسم بتعقيد عالٍ مثل الاقتصاد، والسياسة، والابتكار العلمي، وإدارة المؤسسات، فإن القواعد غالبًا مبهمة، والأنماط غير مستقرة، والتغذية الراجعة متأخرة أو مشوّشة، وهو ما يجعل التخصص الضيق أقل قدرة على إنتاج حدس سليم، بينما يستفيد أصحاب الخلفيات المتنوعة من قدرتهم على الربط بين عوالم معرفية مختلفة.
في هذا السياق يستشهد الكتاب بأبحاث أظهرت أن سنوات الخبرة لا تؤدي تلقائيًا إلى تحسين جودة الأحكام في كل المجالات؛ إذ يمكن لرجل إطفاء أو لاعب شطرنج أن ينتفع من آلاف الساعات من التدريب المباشر على نماذج متكررة، بينما لا يبدو محلل الأسواق المالية أو المعلّق السياسي أكثر دقة في توقعاته مع مرور الزمن إذا ظل محصورًا في نطاق معرفي واحد. لذلك يتوقف إبستين عند أعمال باحثين في "علم التنبؤ" أبرزهم فيليب تيتلوك، مستعرضًا تجارب "المتنبئين المتفوقين" الذين تفوقوا على الخبراء التقليديين بفضل شغفهم بقراءة واسعة في مجالات مختلفة وتعديلهم المستمر لقناعاتهم بدل التشبث بفرضيات ثابتة.
يتعمق الكتاب في نقد السردية الشائعة حول "١٠ آلاف ساعة من التدريب المتعمّد" بوصفها وصفة شبه حتمية لصناعة التفوق، مميزًا بين الفائدة الحقيقية للتدريب الممنهج في مهارات معينة وبين تعميم هذه القاعدة على حقول لا تتحقق فيها شروط الثبات والوضوح. ويبرز من خلال أمثلة من عالم الموسيقى والطب والبحث العلمي أن كثيرًا من الأسماء البارزة وصلت إلى مسارها النهائي بعد فترات من التجريب والتنقل بين تخصصات، حيث لعب "الضياع البنّاء" دور جسر مكّنها من العثور على ما يسميه المؤلف "التطابق الجيد" بين الذات والمجال.
على مستوى بنية الحجة، يقدّم إبستين مبدأ محوريًا مفاده أن "أكبر قوة يتمتع بها الإنسان هي القدرة على الدمج الواسع"، وهو اقتباس يتحوّل إلى محور تفسيري يربط بين قدرات الدماغ البشري وبين محدودية أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية. فالكتاب يستدعي "مفارقة مورافيك" ليشير إلى أن الآلات تتفوق في مهام ضيقة ذات قواعد مستقرة، بينما تظل مهارات التفكير المجرد، والانتقال بين مجالات، وإعادة تركيب الخبرات المتباعدة، من نقاط التميز البشري التي تمنح العموميين ميزة في عصر تزداد فيه قيمة القدرة على الربط بين الاختصاصات.
لا يقتصر العمل على الدفاع النظري عن تعدد الاهتمامات بل يذهب إلى حد الدعوة إلى "زراعة عدم الكفاءة" عن قصد في مرحلة مبكرة من مسارات التعلم والعمل، أي تشجيع الأفراد على خوض تجارب لا تفضي مباشرة إلى مكاسب سريعة ولكنها توسّع قاعدة خبراتهم. في هذا الإطار يعتني الكتاب بإعادة تقييم مفاهيم مثل الفشل والانسحاب، معتبرًا أن تكرار تغيير المسار المهني أو التخلي عن مشروع لا ينسجم مع طموحات صاحبه قد يكون، على المدى البعيد، أكثر نجاعة من الإصرار على تخصص تم اختياره مبكرًا تحت ضغط توقعات الأسرة أو المجتمع.
يعتمد إبستين أسلوبًا سرديًا يجمع بين قصص من الرياضة عالية المستوى، مثل كرة القدم والغولف والعدو، وبين وقائع من الأبحاث الطبية والتقنية، ما يمنح النص ديناميكية تقرّب الأفكار العلمية إلى جمهور واسع. كما أن خلفيته كصحافي استقصائي سابق في "بروبوبليكا" وكاتب في "سبورتس إلستريتد" تظهر في طريقة بناء الفصول التي تقدّم حالات واقعية مشوقة، قبل الانتقال منها إلى نتائج متصلة بعلم النفس المعرفي أو التربية أو إدارة المواهب.
تضع صفحة الكتاب على "أمازون" هذا العمل ضمن خانة "العلوم الشعبية" مع تصنيفه بين أعلى العناوين مبيعًا في فئات علم النفس التنموي وعلم النفس الرياضي. أما على مستوى التقييمات فيحظى الكتاب بأكثر من ١٢ ألف مراجعة من القراء مع متوسط مرتفع من النجوم، فيما تكشف أبرز المقاطع التي قام القرّاء بتظليلها على أجهزة "كيندل" عن اهتمام خاص بأفكار من قبيل أن أنظمة الذكاء الاصطناعي "بحاجة إلى عوالم ضيقة مستقرة"، بينما يحتاج الإنسان إلى التعرض لعوالم متعددة من أجل بناء حكم مرن.
يلتفت الكتاب أيضًا إلى تداعيات تربوية من خلال مناقشة كيفية تصميم مسارات تعليمية للأطفال والطلاب، مشيرًا إلى أن الميل إلى دفعهم نحو التخصص المبكر قد يحرمهم فرصًا لاكتشاف قدراتهم الحقيقية. ويستعرض المؤلف نماذج من أنظمة تعليمية تتيح مساحات أوسع للتجريب ومراكمة تجارب في مجالات متباينة قبل حسم التوجه النهائي، معتبرًا أن مثل هذه المقاربات قد تساهم في إعداد أفراد أكثر قدرة على التكيّف مع بيئات العمل التي تتغير بسرعة.
يمنح هذا العمل للقارئ العربي، لا سيما العاملين في الصحافة والإعلام والبحث، إطارًا تحليليًا لإعادة النظر في قيمة "العمومية" في عصر تتسارع فيه ضغوط السوق نحو التخصص الدقيق. كما يقدم مادة ثرية لمن يراقب أثر الذكاء الاصطناعي في المهن الفكرية، إذ يعيد تذكيرهم بأن المساحات التي يحتفظ فيها الإنسان بميزة نسبية قد تكون في القدرة على عبور الحدود بين الحقول، وربط المعطيات المتناثرة، وإنتاج سرديات جديدة تجمع بين الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والثقافة.


