يقدّم كتاب فن التفكير الواضح للطيّار الحربي الأمريكي هازارد لي محاولة منهجية لاستخلاص قواعد عملية لاتخاذ القرار من داخل أكثر البيئات تعقيدًا وخطورة في العصر الحديث، أي قمرة قيادة المقاتلات النفاثة، ثم نقلها إلى حياة الأفراد والمؤسسات في أوقات السلم. فالطيار الذي يقود مقاتلة من طراز إف‑16 أو إف‑35 بسرعات تتجاوز ألف ميل في الساعة يجد نفسه أمام قرارات آنية لا تحتمل التردّد، فيما قد يترتّب على أي خطأ ثمن بشري أو استراتيجي مرتفع، وهو ما جعل سلاح الجو الأمريكي يطوّر مع الوقت ثقافة خاصة تُعنى بصناعة القرار وتحسينه بصورة مستمرة.
يستند المؤلف في بناء هذه المقاربة إلى مسار مهني بدأه على متن مقاتلة إف‑16 مشاركًا في أكثر من ثمانين مهمة قتالية في أفغانستان، قبل أن ينتقل إلى الجيل الخامس من الطائرات الحربية عبر برنامج إف‑35، حيث تولّى لاحقًا مسؤولية أنظمة التدريب في أكبر قاعدة لتأهيل الطيارين في العالم. هذه التجربة الميدانية، التي تجمع بين القتال والتخطيط والتكوين، أتاحت له أن يراقب عن قرب كيف يتعلم الطيارون، وكيف يفشلون، وكيف يعيدون تشكيل طرق تفكيرهم تحت ضغط متواصل، ثم حوّل تلك الخلاصات إلى ما يصفه بدليل ميداني لاتخاذ القرارات الصعبة في الحياة اليومية والعمل.
يُقدَّم الكتاب في نسخته الصادرة عن دار النشر الأمريكية "غريفن" في ديسمبر ٢٠٢٤ باعتباره امتدادًا لمنظومة تدريبية أوسع يطبّقها المؤلف داخل القوات الجوية الأمريكية ثم داخل عدد من الشركات الكبرى مثل "مايكروسوفت" و"ميتا" و"آي بي إم" و"لوكهيد مارتن" و"نورثروب غرومان". من خلال هذه التجربة انتقل ما كان في الأصل نظامًا داخليًا لتوحيد أداء مئات الفرق العاملة على برنامج إف‑35 إلى ما يشبه "نظام تشغيل" لاتخاذ القرار في مؤسسات مدنية تبحث عن سرعة أكبر في الحسم وقدرة أعلى على تحمّل تبعات الاختيارات في بيئة تنافسية متقلبة.
يستثمر المؤلف في بناء سرديته على مزيج من القصص الشخصية والروايات التاريخية والوقائع الاقتصادية، إذ يربط بين جلسة إحاطة قبل مهمة جوية في أفغانستان، ووقائع من الحرب العالمية الثانية أو حرب الخليج، وتجارب شركات ناشئة كادت أن تفشل قبل أن تستقر على مسار جديد. هذا المزيج يخدم هدفًا مزدوجًا، فهو من جهة يقرِّب القارئ من عالم مغلق عادة على الجمهور، ومن جهة أخرى يحوّل قصة الطيار إلى مرآة يمكن لمدير شركة أو صحافي أو طالب أن يرى فيها أنماطًا متكررة من الأخطاء والانحيازات الذهنية التي تؤثر في قراراته اليومية.
من بين المفاهيم التي يتوقف عندها الكتاب بإسهاب ما يسمّيه "قوانين القدرة" أو "القوانين الأسّية"، وهي طريقة في النظر إلى الظواهر غير الخطية التي لا تتطور وفق إيقاع ثابت بل تشهد قفزات حادة في مدة قصيرة. يستعين المؤلف بأمثلة مبسّطة لتوضيح الفارق بين تصور الإنسان الحدسي الذي يميل إلى التفكير الخطي، وبين طبيعة أنظمة كثيرة في الواقع – من حركة الطائرة إلى انتشار المعلومات في شبكة اجتماعية – تخضع لمنطق الأسّيات، بما يجعل الخطأ في التقدير مضاعفًا إذا ظلّت عقولنا حبيسة مقاربات تقليدية.
في مستوى آخر، يلحّ المؤلف على ضرورة مقاومة الميل إلى التركيز على مصدر واحد للمعلومة وإهمال باقي الإشارات، وهو ما يجسّده بتعبير تداولي بين الطيارين يشبّه هذا الانغلاق بـ"النظر من خلال قصبة مياه غازية". هذا الانتباه إلى تعدد زوايا الرؤية يتحوّل داخل النص إلى مبدأ أوسع يدعو القارئ إلى تنويع مدخلات التفكير وعدم الانجرار وراء رقم واحد أو شهادة واحدة أو واقعة واحدة عند بناء حكم أو اتخاذ قرار، سواء تعلّق الأمر بعملية عسكرية أو بمشروع استثماري أو بخيار شخصي يمس المسار المهني.
الكتاب لا يكتفي بتحليل بيئة القرار بل يقترح هيكلًا عمليًا مختصرًا يلخّصه الطيارون في ثلاثية التحليل ثم الاختيار ثم التنفيذ، وهي مراحل يشار إليها في الثقافة المهنية باسم "ACE". في مرحلة التحليل يركّز المؤلف على كيفية فرز المعطيات تحت الضغط والتمييز بين ما هو جوهري وما هو ثانوي، ثم ينتقل إلى لحظة الحسم حيث يُطلَب من صانع القرار أن يقبل قدرًا من المخاطرة المحسوبة بدل البحث عن يقين مستحيل، لينتهي عند التنفيذ الذي يُعد في نظره جزءًا لا يتجزأ من عملية التفكير نفسها، إذ لا قيمة لتصور نظري لا يصاحبه فعل قادر على تعديل الواقع في الزمن المناسب.
في فصل خاص يولي الكاتب اهتمامًا واضحًا لما يسميه الصلابة الذهنية، وهي مجموعة من المهارات النفسية التي تساعد الطيار على الحفاظ على وضوح التفكير وسط ضوضاء أجهزة الإنذار وضيق الزمن وقرب الخطر. هذه المهارات تشمل تقنيات التهدئة الداخلية، والحوار الذاتي، والتصور المسبق للمواقف الحرجة، وهي عناصر يعيد المؤلف ربطها بحالات فشل واجهت طيارين متمرّسين عجزوا عن اجتياز بعض مراحل التدريب بسبب عدم قدرتهم على توظيف هذه الأدوات في اللحظة المناسبة، رغم امتلاكهم كفاءة تقنية عالية.
هذا التركيز على البعد النفسي يجعل الكتاب قريبًا من أدبيات المساعدة الذاتية والتحفيز، لكنه يحافظ في الوقت نفسه على مرجعيته الأصلية المتصلة بعالم الطيران العسكري، حيث تظل الوقائع قابلة للقياس من خلال نتائج محدّدة: نجاح مهمة، أو خطأ في التنسيق، أو خسارة طائرة، أو إنقاذ فريق بري تحت النيران. ومن هنا تكتسب الدروس المتعلقة بالمرونة الذهنية أو الإدارة السليمة للخوف صبغة عملية، لأن القارئ يتابع أثرها المباشر في مسار عمليات حقيقية لا في تمارين نظرية.
في المستوى الاستقبالي، تحظى هذه المقاربة بتجاوب ملحوظ لدى القرّاء على منصات البيع الإلكترونية، إذ تشير بيانات التقييم في موقع "أمازون" إلى معدل ٤,٧ من ٥ استنادًا إلى ٨٥٠ مراجعة، مع نسبة مرتفعة من القرّاء الذين يمنحون الكتاب العلامة الكاملة. التعليقات التي تتصدر خانة المراجعات تشيد غالبًا بالقدرة السردية للمؤلف وبالربط بين القصص التاريخية والأمثلة الشخصية من جهة، وبين مبادئ عملية لتحسين طريقة تحليل المشكلات واتخاذ القرارات من جهة أخرى.
من زاوية أخرى، لا يخلو التفاعل القرائي من ملاحظات نقدية تتعلق بطول بعض القصص الحربية التي قد تبدو مفرطة في التفاصيل إذا ما قورنت بحجم المساحة المخصصة للخلاصات النظرية أو الأدوات العملية القابلة للتطبيق المباشر. غير أن الصورة العامة التي ترسمها المراجعات المنشورة تبقى أقرب إلى الانطباع الإيجابي عن توازن نسبي بين حكاية الطريق الشخصي للطيار وبين محاولة صياغة لغة مفهومة لغير المتخصصين في عالم الطيران، سواء كانوا من رجال الأعمال أو الموظفين أو طلاب الجامعات.
يمنح هذا العمل في نهاية المطاف قراءة مكثفة في كيفية اشتغال العقل البشري تحت الضغط، ويوفّر خزانًا من الأمثلة القصصية يمكن للصحافة المتخصصة في الشأن العسكري أو الاقتصادي أو التقني أن تستثمره في معالجة موضوعات تتراوح بين ثقافة القرار داخل المؤسسات وطريقة تفكير النخب العسكرية في مواجهة المخاطر. كما يمكن لدارس الإعلام أو الصحافي المهتم بالذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار أن يجد في مقاربة الطيارين، القائمة على استثمار البيانات المتاحة بسرعة وبأقل قدر من الانحياز، مادة مقارنة مع أنظمة دعم القرار التي تطوّرها الخوارزميات اليوم في ميادين السياسة والاقتصاد والأمن.


