الأبولارية وصعود الخطاب الحضاري في العلاقات الدولية

أضيف بتاريخ 05/21/2026
منصة المَقالاتيّ

يقدّم النقاش الأكاديمي المعاصر حول تحولات النظام الدولي مفهوماً متزايد الحضور هو «الأبولارية»، بوصفه محاولة لتوصيف وضع عالمي لا يخضع لمنطق الاستقطاب التقليدي. هذا المفهوم، الذي يتناوله كتاب Les mots du nouveau monde الصادر عن دار CNRS بمشاركة برتران بادي وديـلفين أليس وستيفان باكين، ينطلق من ملاحظة تآكل قدرة القوى الكبرى على احتكار النفوذ أو تنظيم التفاعلات الدولية ضمن أطر قطبية واضحة، سواء ثنائية كما خلال الحرب الباردة، أو أحادية كما في المرحلة التي أعقبتها.



يفترض هذا التصور أن القوة لم تعد موزعة بين مراكز محددة قادرة على فرض قواعد اللعبة، بل أصبحت مبعثرة بين عدد متزايد من الفاعلين، الدوليين وغير الدوليين، مع تراجع قدرة أي طرف على فرض هيمنة مستقرة أو حسم النزاعات. وتبرز هذه الحالة في طبيعة الصراعات الراهنة، حيث تتعثر العمليات العسكرية في تحقيق نتائج نهائية، وتتحول النزاعات إلى مسارات طويلة تتداخل فيها عوامل محلية وإقليمية ودولية، بما يعكس حدود القوة التقليدية في فرض الوقائع.

في موازاة ذلك، يبرز مفهوم «الحضارية» أو «الحضاروية» باعتباره أحد التعبيرات الفكرية والسياسية المصاحبة لهذه التحولات. ويعتمد هذا الطرح على تقسيم العالم إلى مجالات حضارية يُفترض أنها تستند إلى منظومات قيم متمايزة، بما يمنح الفاعلين الذين يتبنون هذا الخطاب أساساً لتبرير سياساتهم الداخلية والخارجية. في هذا السياق، تتحدث الصين عن نموذج حضاري خاص بها ضمن رؤيتها العالمية، بينما يطرح الخطاب الروسي فكرة تعددية حضارية تقوم على استقلال كل فضاء ثقافي في تحديد مساراته.

يحمل هذا التوجه أبعاداً متعددة. فمن جهة، يمنح الدول التي تتبناه أداة لإضفاء الشرعية على أنماط حكمها وخياراتها السياسية، بعيداً عن المعايير التي نشأت في إطار النظام الدولي الليبرالي. ومن جهة أخرى، يوفر إطاراً لمقاومة الضغوط الخارجية، خاصة تلك المرتبطة بقضايا حقوق الإنسان أو تنظيم السلطة السياسية. بذلك، يتحول الخطاب الحضاري إلى وسيلة لإعادة تعريف مفهوم الشرعية الدولية خارج المرجعيات التقليدية.

هذا التطور يرتبط بما يمكن وصفه بـ«صراع المعايير»، حيث لم تعد القواعد المنظمة للعلاقات الدولية محل توافق واسع كما كان الحال في مراحل سابقة. ويتجلى ذلك خصوصاً في القضايا المرتبطة بالحريات العامة أو أنماط الحكم، حيث تتباين الرؤى بشكل واضح بين الفاعلين الدوليين. ولا يقتصر الأمر على الاختلاف، بل يمتد إلى إعادة تشكيل فضاءات النقاش نفسها، من خلال إنشاء أطر موازية أو بديلة للمؤسسات القائمة، بما فيها منظومة الأمم المتحدة.

ضمن هذا السياق، يلاحظ تراجع في مركزية التفاوض متعدد الأطراف بوصفه آلية لإنتاج قواعد مشتركة، مقابل نزوع بعض الدول إلى الانسحاب من هذه المساحات أو الحد من فعاليتها. ويقترن ذلك بمحاولات لإعادة تنظيم العلاقات الدولية على أساس الانتماء الحضاري، حيث يُفترض أن لكل مجموعة بشرية نظامها القيمي الخاص الذي لا يخضع لمراجعة خارجية. غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع التنوع داخل كل مجتمع، ما يطرح إشكالات تتعلق بتمثيل هذا «الكيان الحضاري» ومن يملك حق التحدث باسمه.

تكشف مفاهيم مثل الأبولارية والحضاروية عن مرحلة انتقالية في النظام الدولي، تتسم بتراجع الأطر التقليدية دون أن تتبلور بدائل مستقرة بعد. ويعكس هذا الوضع درجة من السيولة في موازين القوة والمعايير، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والثقافية في تشكيل العلاقات بين الدول، ضمن مشهد مفتوح على احتمالات متعددة.