يواصل المخرج والكاتب والفنان البصري هشام العسري ترسيخ موقعه كأحد أكثر الأصوات تفردًا في المشهد الثقافي المغربي، من خلال أعمال تتجنب القوالب الجاهزة وتختبر حدود التلقي العام. في أحدث أفلامه «Merci satan»، يختار العسري الاقتراب من مناطق حساسة، ليس بدافع الاستفزاز المجرد، بل بوصفه امتدادًا لمسار فني يضع الأسئلة الصعبة في قلب التجربة الإبداعية. العمل، الذي أثار نقاشًا واسعًا منذ طرحه في القاعات، يندرج ضمن رؤية يعتبر فيها المخرج أن الفن يمكن أن يلامس ما يسميه «الجرح الجماعي» دون أن يدعي امتلاك حلول جاهزة.
في حديثه، يرفض العسري توصيفه كفنان «مثير للجدل»، معتبرًا أن هذا الوصف فقد دلالته. ما يهمه، بحسب طرحه، هو إنتاج أعمال تُحدث أثرًا حقيقيًا لدى المتلقي، حتى وإن جاء هذا الأثر في صورة انزعاج أو رفض. بالنسبة له، وجود ردود فعل حادة تجاه عمل فني، حتى من أشخاص لم يشاهدوه، يكشف عن توترات قائمة داخل المجتمع، ويعني أن النقاش ما زال ممكنًا.
يربط العسري دور الفنان بمسؤولية مدنية تتعلق بالمساهمة في تحسين المناخ النفسي والمعنوي العام، من خلال مساءلة المسلمات. ويعتبر أن الإنكار يمثل العائق الأول أمام أي تطور، إذ يحول دون الاعتراف بالمشكلات ومعالجتها. في هذا الإطار، يقدم فيلمه قراءة تنتقد ما يسميه «تفشي الغباء»، بوصفه عائقًا بنيويًا يتجاوز الأفراد إلى أنماط التفكير السائدة.
على مستوى المسار، يؤكد العسري اختياره العمل خارج الحسابات التقليدية، متمسكًا بصورة «الفنان الفرد» الذي لا يخضع لاتجاهات السوق أو التحولات السياسية. ورغم حضوره داخل منظومة الإنتاج السينمائي المغربي، حيث استفاد بعض أعماله من دعم المركز السينمائي المغربي، إلا أنه يشدد على استقلالية قراراته الفنية. من أصل تسعة أفلام طويلة أنجزها، لم يحظ سوى ثلاثة بدعم مؤسساتي، وهو ما يراه مؤشرًا على مسافة واعية مع النظام الإنتاجي دون قطيعة كاملة معه.
استغرق تطوير «Merci satan» نحو عقد كامل، مع عشرات النسخ من السيناريو، وهو ما يعكس، بحسب العسري، صعوبة المشروع ورغبته في خوض تجربة جديدة ضمن سينما النوع، مع تفكيك قواعدها. كما اشتغل مع ممثلين من خارج دائرته المعتادة، في محاولة لتجديد أدواته والابتعاد عن مناطق الراحة.
ينتقد العسري أيضًا ما يعتبره هيمنة منطق تبسيط السرد السينمائي، حيث تُفرض، في نظره، نماذج قصصية تكرس صورة نمطية عن «الشخصيات العربية». في المقابل، يدافع عن سينما «اللا بطل»، حيث الشخصيات الهامشية التي ترفض الاستسلام دون أن تتحول إلى ضحايا تقليديين. هذا التوجه ينسجم مع رفضه تقديم أعمال تقوم على استدرار التعاطف الخارجي أو تسويق البؤس كوسيلة للتمويل.
في ما يتعلق بموضوع الدين، يوضح العسري أن عمله لا يستهدف العقيدة بحد ذاتها، بل ينتقد توظيفها السياسي. ويشير إلى أن طبيعة الفيلم المركبة جعلت استقباله في بعض الأوساط الغربية متحفظًا، نظرًا لابتعاده عن القراءات المباشرة. هذا الخيار السردي، القائم على الالتباس المقصود، يندرج ضمن قناعته بأن الوضوح المفرط قد يفرغ العمل من عمقه.
أما بشأن حرية التعبير، فيؤكد أن تجربته الشخصية لم تشهد منعًا مباشرًا، معتبرًا أن الإشكال الأكبر يكمن في الرقابة الذاتية. ويرى أن نظام التصنيف المعمول به يترك هامشًا للاختيار، حيث يمكن للمخرج أن يقرر بين الحفاظ على عمله كاملًا أو تعديله للحصول على عرض أوسع. اختياره كان دائمًا الحفاظ على النسخة الأصلية، حتى لو أدى ذلك إلى تقليص نطاق التوزيع.
يأتي هذا النقاش في وقت تعرف فيه السينما المغربية تنوعًا ملحوظًا، مع حضور قوي للأعمال التجارية التي تستقطب جمهورًا واسعًا. ويقرأ العسري هذا التوجه باعتباره تعبيرًا عن حاجة جماعية إلى الترفيه والهروب المؤقت، مقابل حاجة موازية إلى أعمال تطرح الأسئلة وتزعزع اليقين. بالنسبة له، التوازن بين هذين المسارين يظل شرطًا لتطور مشهد سينمائي قادر على التعبير عن تعقيد المجتمع.
تجدر الإشارة إلى أن فيلم «Merci satan»، الذي تدور أحداثه حول كاتب أجنبي مهدد بسبب عمل لم يقرأه كثيرون، أثار منذ عرضه في 8 أبريل موجة من الدعوات إلى المنع، وهو ما وثقته تل كيل في 13 مايو 2026. غير أن العسري يرى في هذه التفاعلات جزءًا من حياة العمل الفني، مؤكدًا أن الفنان، في تصوره، لا يطلب الإذن بقدر ما يفرض حضوره عبر ما يقدمه من رؤى.


