السباق على المعادن الإفريقية: شبكة ترامب الخفية في القارة

أضيف بتاريخ 03/30/2026
مع جون أفريك

تكشف عودة الولايات المتحدة بقوة إلى ملف المعادن الإفريقية عن تحول نوعي في مقاربة واشنطن للقارة، حيث تندمج اعتبارات الأمن القومي والسباق التكنولوجي مع الصين في استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية للمعادن الحرجة. ففي 2 février 2026 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من المكتب البيضاوي إطلاق مشروع «Project Vault»، وهو برنامج بقيمة 12 مليار دولار يهدف إلى إنشاء احتياطي إستراتيجي من هذه المعادن، يمزج بين قرض يصل إلى 10 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي واستثمارات خاصة تكمّل هذا التمويل.



يتزامن هذا التوجه مع إدراك متزايد في واشنطن لأهمية دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تمتلك نحو 70% من احتياطي الكوبالت العالمي وتحتل المرتبة الثانية في إنتاج النحاس بعد تشيلي، ما يجعلها محورًا لا غنى عنه في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والتكنولوجيات المتقدمة. بعد أن تخلت الولايات المتحدة في 2016 عن معظم أصولها في هذا البلد لصالح منافسين صينيين، تسعى إدارة ترامب إلى العودة عبر بوابة شراكات استراتيجية جديدة، تتصدرها مفاوضات مع كينشاسا تمنح الشركات الأمريكية موقعًا مميزًا في حقول النحاس والكوبالت والليثيوم.

يقف في قلب هذه السياسة فريق صغير من المسؤولين والمستشارين يوصف أحيانًا بـ«الصقور» في ملف المعادن الحرجة. من بينهم ديفيد كوبلي، الخبير القادم من شركة Newmont، والذي تولى عام 2025 منصب مستشار خاص في مجلس الأمن القومي مع تكليف بإعداد الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في هذا المجال، بما في ذلك إدارة الاتصالات الحساسة مع السلطات الكونغولية لدعم عروض شركات مثل Virtus Minerals للاستحواذ على أصول مجموعة Chemaf، العاملة في حقول النحاس والكوبالت في جنوب شرقي الكونغو. وعلى الخط نفسه يتحرك مسعد بولس، رجل الأعمال من أصل لبناني والمكلّف بالملف الإفريقي في محيط ترامب، والذي قاد، مرفوقًا بمستثمرين أمريكيين كبار، جولات اتصالات مع كينشاسا لبحث اتفاقات تعدين جديدة، في وقت تظل مناطق حيوية مثل مناجم الكولتان في روبيّا تحت سيطرة جماعات مسلحة.

في الجانب التجاري، يتولى الممثل الأمريكي للتجارة جاميسون غرير إدارة ما بات يعرف بـ«كتلة المعادن الحرجة»، وهي مبادرة تجمع عشرات الدول من بينها الكونغو الديمقراطية وأنغولا وغينيا وكينيا والمغرب وسيراليون وزامبيا في إطار منطقة تفضيلية لتيسير تدفق هذه المعادن بعيدًا عن الهيمنة الصينية، مع السعي إلى تنويع المنابع وضمان تتبع أفضل لسلاسل القيمة. أما على مستوى العلاقات الإفريقية المباشرة، فيبرز دور كريستوفر كولوكونديس، مساعد مسعد بولس في الشؤون الإفريقية، الذي ساهم في صياغة شراكة «موسعة» مع كينشاسا شملت إعداد قائمة مفصلة بالمناجم المفتوحة أمام الاستثمارات الأمريكية، وفي مقدمتها مشروع الليثيوم في مانونو وموقع المنغنيز في كيسنغي.

يتقاطع هذا البناء السياسي مع تحرك تشريعي داخل الكونغرس تقوده شخصيات مثل النائبة الجمهورية من أصل كوري يونغ كيم، التي شاركت في تقديم مشروع قانون «Dominance Act» الهادف إلى تعزيز الاستثمارات الأمريكية في المعادن خارج الحدود والتقارب مع «حلفاء» في هذا المجال. كما يبرز اسم جاكوب هيلبرغ، نائب وزير الخارجية للنمو الاقتصادي والطاقة والبيئة، بوصفه حلقة وصل بين هذه السياسة ومنظومة وادي السيليكون، مستفيدًا من شبكة علاقاته في عالم التكنولوجيا والاستثمار لدعم مشاريع تستهدف الكونغو الديمقراطية وتمنح شركات مثل Virtus وKobold سندًا سياسيًا إضافيًا في واشنطن.

إلى جانب هذا المحيط الرسمي، تتحرك شبكة من الوسطاء والمستثمرين في الظل، تجمع بين خلفيات دبلوماسية وعسكرية ومالية. فمن جهة الشركات، تشكّل Virtus Minerals مثالًا لافتًا؛ إذ يقودها ضباط سابقون في القوات الخاصة الأمريكية، ويعمل مديرها التنفيذي في مفاوضات لشراء Chemaf، في صفقة توصف بأنها إحدى أبرز عمليات الاستحواذ الأمريكية في قطاع الكوبالت والنحاس في الكونغو منذ توقيع شراكة إستراتيجية بين واشنطن وكينشاسا حول المعادن الحرجة. وإلى جانبها يظهر كونسورتيوم Orion Critical Minerals، الذي أُنشئ سنة 2025 بمساهمة من صندوق Orion Resource Partners وبتمويل من مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية، ويستعد للاستحواذ على 40% من أصول Glencore في منجمي موتاندا وكاموتو، بقيمة تقارب 9 مليارات دولار، لتأمين جزء من احتياجات الولايات المتحدة وحلفائها من النحاس والكوبالت.

يضاف إلى هذه الكتلة اسم رجل الأعمال روبرت فريدلاند، الذي يقود مجموعة Ivanhoe في عدد من المشاريع على غرار منجم النحاس «Kamoa-Kakula» ومنجم «Kipushi»، ويسعى إلى ترسيخ مشروعه في حقل الحديد في جبل نيمبا كأولوية قومية أمريكية رغم الانتقادات داخل الحزب الجمهوري بسبب علاقاته الوثيقة مع شركاء صينيين. وفي واجهة أخرى، تتحرك شركات تستخدم أدوات رقمية متقدمة مثل Sagint، التي تطور حلولًا قائمة على تكنولوجيا الرموز الرقمية لتتبع وتوثيق منشأ المعادن الحرجة في ضوء اشتراطات البنتاغون المتزايدة للشفافية ومنع تسرب المواد ذات الأصل الصيني إلى سلاسل الإمداد الخاصة بالصناعات الدفاعية.

في خلفية هذه الشبكة تتبلور مقاربة أمريكية جديدة للقارة الإفريقية، لا تمر فقط عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل تعتمد على تحالف بين البيت الأبيض وأذرع تمويل رسمية مثل بنك التصدير والاستيراد ومؤسسة تمويل التنمية، ومنظومة من الوسطاء والشركات القادرة على العمل في بيئات عالية المخاطر. ومع أن هذه الإستراتيجية ما زالت في طور التشكل، فإن حجم الموارد المرصودة لـ«Project Vault» وطبيعة الصفقات الجارية في الكونغو وغينيا وزامبيا تعطي مؤشرًا واضحًا على أن القارة الإفريقية باتت جزءًا مركزيًا من معركة المعادن الحرجة بين واشنطن وبكين، وأن من يدير هذه المعركة من الجانب الأمريكي ليس فقط الدبلوماسيين، بل كذلك خبراء التعدين والمستثمرين وشبكات الضغط ذات الامتداد العابر للحدود.

المصدر