في ديسمبر من عام 2019، نشر الناقد الفني الأميركي بيتر شيلدال، الذي شغل منصب كبير نقّاد الفن في مجلة "نيويوركر" منذ عام 1998، مقالاً سيرياً استثنائياً تحت عنوان "فنّ الاحتضار"، أعلن فيه إصابته بسرطان الرئة في مرحلة متقدمة. كان عمره حينها 77 عاماً، وقد منحه الأطباء أشهراً قليلة للعيش. عاش شيلدال في الواقع نحو ثلاث سنوات إضافية، واصل خلالها الكتابة بغزارة حتى وفاته في أكتوبر 2022 عن عمر ناهز 80 عاماً. وفيما يلي إطلالة على أبرز ما جاء في شهادته الصادمة والصادقة عن المرض والذاكرة والعائلة والفن.
لم يكن التشخيص مفاجئاً بالنسبة لرجل دخّن منذ سن السادسة عشرة، لكنه جاء في لحظة غريبة: بينما كان يقود سيارته.
يروي شيلدال أن الخبر بلغه وهو خلف مقود سيارته، وأن تلك اللحظة، على قسوتها، فتحت عينيه فجأة على جمال العالم من حوله وعلى العدد المحدود من المرّات التي سيتمكن فيها من التمتع بهذا الجمال. ورغم صدمة التشخيص، يصف نفسه بأنه شعر، غريباً، بالامتلاء والاكتفاء أكثر من الخوف. كان قد أقلع عن الكحول قبل 27 عاماً، بعدما كاد إدمانه أن يدمّر حياته بالكامل، فامتلك خبرة سابقة في مواجهة الإدمان والتخلي عنه.
لعب دور "الرجل المحتضر" كقناع أدبي مفيد للكتابة، لا كهوية نهائية.
اعترف شيلدال بأنه واجه صعوبة حقيقية في كتابة مذكراته طوال حياته، بسبب عدم ثقته بذاكرته وشعوره الدائم بأنه ليس شخصاً "مثيراً للاهتمام" بما يكفي ليُكتب عنه. ومع ذلك، اختار أن يكتب لتوطيد صلته بالآخرين، رغم ثقل الشعور بالذنب والخجل الذي رافقه طوال مسيرته. ولجأ إلى فكرة تقمّص شخصية "الرجل المحتضر" بوصفها قناعاً أدبياً مفيداً، يمنحه مسافة كافية للكتابة عن نفسه دون الانغماس الكامل في الذات.
نشأتُ في بيت طبعته إنجازات أب لامع، وندوب حرب لم يبح بها، وأبوان منشغلان بذاتيهما أكثر من انشغالهما بأطفالهما.
يعود شيلدال في شهادته إلى طفولته في الغرب الأوسط الأميركي، حيث كان والده رجل أعمال ومخترعاً ناجحاً، لكنه كان يحمل أيضاً ندوب صدمة الحرب العالمية الثانية التي شارك فيها، ولم يكن يتحدث عنها إلا في ومضات نادرة، فيما كانت الكوابيس ترافقه. أما والداه، فرغم عدم لجوئهما إلى العنف الجسدي، فقد كانا غارقين في ذاتيهما إلى حد الغيرة من أطفالهما الخمسة الذين كان شيلدال أكبرهم. هذه البيئة، كما يصفها، غرست فيه حاجة إلى السلطة مصحوبة بشعور دفين بالاستياء. وكانت والدته، رغم طيبتها، بعيدة عاطفياً، ما جعل شيلدال بدوره يتحوّل إلى ما يشبه الأب البديل لإخوته وأخواته.
تركتُ الجامعة لأعمل في صحيفة صغيرة بولاية نيوجيرسي، وهناك تعلّمت صرامة الكتابة وواجهت وجه الفساد عن قرب.
كانت بداياته المهنية بعيدة عن المسار التقليدي؛ إذ ترك الجامعة للعمل في صحيفة محلية بولاية نيوجيرسي، حيث اكتسب الانضباط الصارم في الكتابة الصحفية، وشهد عن قرب مظاهر الفساد التي أثّرت في نظرته إلى المهنة والمجتمع. ووجد طريقه إلى نقد الفن بمحض الصدفة، فتعلّم المهنة ميدانياً دون تكوين أكاديمي متخصص، مستفيداً من دعم عدد من المرشدين الذين رافقوه في بداياته، فيما كان يخوض في الوقت نفسه صراعاً شخصياً مع تعاطي المخدرات وسط أجواء الوسط الفني الذي انخرط فيه.
ولادة ابنتي كانت لحظة مفصلية، وتعافيّ من الإدمان لم يكن ليتحقق لولا انضباط زوجتي الصارم.
من بين اللحظات المفصلية في حياته، يذكر شيلدال ولادة ابنته آدا، وتجربة تعافيه من إدمان الكحول، التي يعزو الفضل فيها إلى انضباط زوجته بروك الصارم الذي رافقه في هذه المرحلة الحاسمة. هذه المحطة الأسرية شكّلت، بحسب شهادته، نقطة تحوّل غيّرت مسار حياته بأكملها، ومنحته استقراراً لم يعرفه في طفولته.
لم أعد أفكر كثيراً في الموت بعدما تصالحتُ معه؛ هذه الأشهر الإضافية أعتبرها ترفاً لا أستحقه.
في مراحله الأخيرة، يقول شيلدال إنه بات يفكر في الموت بقدر أقل بكثير، بعدما تصالح معه تماماً، معتبراً الأشهر الإضافية التي مُنحها ضرباً من الترف. وانصرف تفكيره إلى هشاشة الذاكرة البشرية، وإلى طبيعة المعنى في الحياة، وإلى تطوّر علاقته بالروحانية على نحو غير متوقع، إذ وجد عزاءً في فكرة أن الموتى لا يختفون تماماً، بل يبقون حاضرين بشكل ما. كما عاد في تأملاته إلى خجل قديم ظل يلازمه، وإلى الأثر الذي تركته الحركة النسوية في نظرته إلى العالم وإلى نفسه، وإلى الدروس العميقة التي استقاها من أصدقائه ومن صراعه الشخصي مع الإدمان على مدى عقود.
توفي بيتر شيلدال في 21 أكتوبر 2022 عن عمر ناهز 80 عاماً، بعد ثلاث سنوات من نشر شهادته الأولى عن مرضه، خلالها واصل الكتابة لمجلة "نيويوركر" حتى أواخر أيامه، مخلّفاً وراءه أكثر من أربعين مقالاً أضيفت لاحقاً إلى مجموعة صدرت بعد رحيله بعنوان "فنّ الاحتضار: كتابات 2019-2022". وتبقى شهادته الأصلية واحدة من أكثر النصوص صدقاً وتأثيراً التي كُتبت عن مواجهة الإنسان لفكرة نهايته، وعن قدرة الكتابة على تحويل أقسى التجارب إلى معنى.