تُظهر مادة منشورة في موقع History Facts سلسلة من العمليات السرية الأميركية التي خرجت عن المألوف، ليس فقط من حيث السرية، بل أيضاً من حيث غرابة الفكرة والأهداف غير التقليدية التي حملتها خلال فترات الحرب الباردة والحرب العالمية الثانية وما بعدها. تعكس هذه المشاريع مناخ المنافسة العسكرية والعلمية، والخيال الذي كان يسمح بتحويل أفكار تجريبية إلى برامج ممولة داخل مؤسسات رسمية قبل أن تُلغى أو تُبقي في طي الكتمان لسنوات طويلة.
تتناول المادة خمس عمليات رئيسية توصف بأنها من «الأغرب» في تاريخ الأجهزة الأميركية، بدءاً من محاولات استثمار المعتقدات الشعبية في اليابان عبر حيوانات ليلية مضيئة، وصولاً إلى مقترح تفجير نووي على سطح القمر بغرض الاستعراض الاستراتيجي، مروراً بتجارب تسليح الخفافيش، ومشروع قنبلة تعتمد على تأثيرات كيميائية على السلوك الجنسي للجنود، وغيرها من الأفكار التي بقيت ضمن وثائق سرية إلى أن رُفعت عنها السرية أو كُشف عنها في فترات لاحقة. تكشف هذه المشاريع، في جانب منها، مدى استعداد بعض الأوساط العسكرية والعلمية لتجريب أدوات غير تقليدية بهدف تحقيق مكاسب نفسية أو دعائية أو تكتيكية في سياقات تنافسية مكثفة.
أولى هذه العمليات، المعروفة باسم «عملية فانتازيا»، تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية وتستند إلى محاولة استغلال مكانة الثعلب في المخيال الشعبي الياباني، حيث طُرح تصور لخلق «ثعالب متوهجة» تُطلق ليلاً لإحداث الذعر في القرى والمدن. تمثلت الفكرة في استخدام مواد طلاء فسفورية تُرش على حيوانات حية أو على أشكال تشبه الثعالب، مع تصميم بالونات تحمل صفارات وأصواتاً وروائح خاصة مرتبطة بوجود الثعالب، على أمل أن تولِّد هذه المشاهد حالة خوف واسع النطاق بين السكان. بلغ المشروع مرحلة الاختبار حين أُطلق عدد من الثعالب المطلية بمواد متوهجة في إحدى حدائق واشنطن العاصمة لمراقبة ردود فعل السكان، قبل أن يتضح حجم التعقيدات اللوجستية والعلمية المحيطة بالمشروع، ما أدى في النهاية إلى إغلاق الملف.
في السياق نفسه، ظهر مشروع آخر غير عادي عرف باسم «مشروع إكس-راي»، هدفه تحويل الخفافيش إلى وسيلة لإحداث حرائق واسعة في المدن اليابانية عبر تحميلها عبوات حارقة صغيرة مؤقتة. كانت الخطة تقضي بوضع أعداد كبيرة من الخفافيش في حاويات تشبه القنابل، تُسقط قبيل الفجر فوق مناطق حضرية، حيث تنطلق الخفافيش بحثاً عن أماكن للاختباء في أسقف المباني التقليدية المصنوعة من الخشب والبامبو والورق. عند انفجار العبوات، كان يُفترض أن تتسبب الحرائق المتزامنة في عدد كبير من المواقع بانهاك قدرات الإطفاء وإلحاق أضرار واسعة بالمدن، إلا أن الاختبارات واجهت مشكلات عديدة، بينها فقدان السيطرة على الخفافيش وخطر اندلاع حرائق في مناطق غير مستهدفة، ما أدى إلى تجميد المشروع في نهاية المطاف.
مع انتقال المنافسة إلى الفضاء خلال الحرب الباردة، ظهر مشروع «إيه 119» الذي أطلقه سلاح الجو الأميركي في أواخر الخمسينيات، ويُعد أحد أكثر المقترحات تطرفاً على مستوى الرمزية النووية. حملت الدراسة الرسمية للمشروع عنواناً تقنياً هادئاً هو «دراسة رحلات الأبحاث القمرية، الجزء الأول»، لكنها تضمنت خطة لتفجير رأس حربي نووي على سطح القمر عبر صاروخ باليستي عابر للقارات. كان الهدف المعلن أن يشاهد سكان الأرض وهج الانفجار كإشارة إلى التفوق التقني والعسكري الأميركي في مواجهة الاتحاد السوفييتي، غير أن تقديرات المخاطر العلمية والبيئية، إلى جانب الاعتبارات السياسية، ساهمت في دفن المشروع قبل أن يغادر مرحلة التخطيط النظري.
من بين المشاريع التي أثارت لاحقاً اهتمام وسائل الإعلام مشروع تقدّم به سلاح الجو الأميركي في منتصف التسعينيات، نُعت إعلامياً باسم «القنبلة المثلية»، يقوم على فكرة استخدام مواد كيميائية ذات تأثيرات محتملة على السلوك الجنسي بهدف إضعاف تماسك الوحدات العسكرية المعادية. استند المقترح إلى تصور افتراضي عن إمكانية نشر مادة على شكل هباء كيميائي تُحدث لدى الجنود انجذاباً متبادلاً ينعكس على انضباطهم وقدرتهم على القتال، وهو طرح أوردته وثائق رسمية ضمن حزمة من الأفكار البحثية. لم يغادر المشروع نطاق الورق، لكنه أصبح مثالاً على نوع من التفكير العسكري الذي حاول توظيف الكيمياء والسلوك البشري في اتجاهات خارج القوالب التقليدية، قبل أن يُطوى الملف من دون تنفيذ.
الاهتمام بهذه العمليات لا ينفصل عن مسار أوسع من الكشف عن برامج سرية ومبادرات غير تقليدية في تاريخ المؤسسات الأميركية، بعضها ظهر عبر تسريبات أو تحقيقات صحافية، كما حدث في ملفات برنامج «إم كيه ألترا» الخاص بتجارب المخدرات على البشر، أو في برنامج «كوينتيلبرو» المتعلق بمراقبة حركات سياسية داخلية، وهي ملفات تناولتها تحقيقات صحافية ووثائق رسمية لاحقة. كما أن جهوداً بحثية، مثل عمل الباحثين في «الأرشيف الأمني القومي» بجامعة جورج واشنطن، ساهمت في تجميع وتحليل وثائق رفعت عنها السرية تدريجياً، مقدمة صورة أكثر تركيباً عن تاريخ القرارات السرية، بما فيها المشاريع التي بقيت في مرحلة التصوّر أو الاختبار ولم تتحول إلى سياسات دائمة.