دور «الجهل العادل» في صياغة عقد اجتماعي أكثر إنصافاً

أضيف بتاريخ 05/12/2026
منصة المَقالاتيّ

يتناول مقال منشور في قسم الكتب في موقع «Big Think» عرضاً لأفكار كتاب جديد للكاتب والصحافي جورج غ. سفيرو حول المكانة المركزية لمفهوم الجهل في بناء مجتمع أكثر عدلاً، عبر قراءة فلسفية لمسار نظريات العقد الاجتماعي من اليونان القديمة حتى جون رولز في القرن العشرين. ينطلق النص من تصور افتراضي لحياة بشرية تتحرر من كل القيود، حيث لا دولة ولا شرطة ولا قوانين ولا مؤسسات خدمات عامة، فيصور حالة فوضى أقرب إلى ما وصفه الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في كتابه «الليفياثان»، حين رأى أن غياب السلطة المنظمة يحكم على البشر بحياة «منعزلة، فقيرة، رديئة، وحشية وقصيرة» غارقة في الخوف والعنف. مع تزايد كثافة التجمعات البشرية، برزت الحاجة إلى صيغة تعاقدية تنظم العلاقات بين الأفراد، تقوم على تنازل متبادل عن جزء من الحريات مقابل الحصول على الأمن والحماية، وهو ما تبلور في مفهوم «العقد الاجتماعي» الذي يحدد الالتزامات الأخلاقية والسياسية للمواطنين تجاه السلطة.



يستعيد المقال مثال سقراط في محاورة «كريتو» لأفلاطون، حيث يرفض الفيلسوف الهرب من السجن بعد الحكم عليه بالموت بتهمة إفساد الشباب، مبرراً موقفه بالتزامه المسبق بقوانين المدينة التي اختار العيش فيها. يقدّم سقراط نفسه نموذجاً للمواطن الذي يرى في الإقامة داخل أثينا قبولاً ضمنياً بقواعدها، حتى عندما تبدو مجحفة في حالته الفردية، ما يعني أن الدولة لا تستقيم إذا تحول احترام القانون إلى خيار انتقائي يحدده كل فرد بحسب مصلحته الخاصة. يلتقي هوبز مع هذا التصور حين يؤكد أن الأفراد، رغم أنانيتهم، عقلانيون بما يكفي ليدركوا أن الخضوع لسلطة، حتى وإن كانت ملكاً مستبداً أو حكومة متعثرة، أفضل من العودة إلى حالة الطبيعة العنيفة.

بعد هوبز، تناوب عدد من الفلاسفة على إعادة صوغ فكرة العقد الاجتماعي، من جون لوك وجان جاك روسو إلى جون ستيوارت ميل، لكن جورج سفيرو يتوقف عند ثلاثة مسارات رئيسية حاولت الإجابة عن سؤال: على أي مبادئ سياسية يمكن لمجتمع ما أن يتوافق؟ يقدّم جيريمي بنثام utilitarianism باعتبارها منهجاً يسعى إلى تعظيم «مجموع السعادة» في المجتمع، عبر ما سماه «الحساب السعيد» الذي يوازن بين المتعة والألم، ويقيسهما بوحدات افتراضية سماها «هيدون» للذة و«دولور» للألم. المثال الذي يستشهد به المقال يتعلق بقرار توسيع رصيف للمشاة؛ إذ يجني المارة منفعة إضافية، في حين يتضرر سائقو العربات التي تجرها الخيول، وعلى صانع القرار، وفقاً لبنثام، جمع لذات الفئة الأولى وطرح آلام الثانية، والاختيار بناء على الحصيلة. غير أن هذه المقاربة تصطدم بعقبة أساسية: استحالة المقارنة الدقيقة بين التجارب الذوقية الذاتية للأفراد، فلا يمكن قياس كراهية شخص لنوع من الطعام مقابل حب آخر لطعام مختلف وإدخالهما في معادلة كمية واحدة، فضلاً عن السؤال الأعمق حول ما إذا كانت السياسة المبنية على هذا الجمع الحسابي يمكن أن تُعد عادلة بحق الجميع.

يعرض المقال انتقال النقاش لاحقاً إلى إسهام فيلفريدو باريتو الذي حاول تجاوز إشكاليات القياس النفعي بالتركيز على الكفاءة الاقتصادية من خلال مفهوم «التحسن الباريتي». وفق هذا التصور، تكون الحالة الاقتصادية مثالية عندما يستحيل تحسين وضع فرد ما دون الإضرار بآخر، ما يجعل معيار التقييم محصوراً في عدم تدهور وضع أي طرف، بغض النظر عن مدى اتساع الفجوات بين الفئات المختلفة. إلا أن هذه النظرة، مثل utilitarianism، تغفل مسألة العدالة التوزيعية، إذ يمكن لنظام اقتصادي أن يحقق كفاءة عالية مع بقاء التفاوتات في الثروة والفرص في مستويات حادة، ما لم تُطرح أسئلة حول الإنصاف.

في هذا السياق، يبرز جون رولز بوصفه المنظّر الذي أعاد التركيز على العدالة باعتبارها المبدأ الناظم للعقد الاجتماعي، في مواجهة أولوية المنفعة أو الكفاءة. يبيّن المقال أن رولز، في كتابه «نظرية في العدالة» الصادر عام 1971، اعتبر أن شعار «أعظم سعادة لأكبر عدد» يتجاهل ما وصفه بـ«أولوية الحق على الخير»، كما انتقد معيار باريتو لكونه يقبل توزيعات شديدة اللاتكافؤ ما دامت لا تجعل أحداً أسوأ حالاً. يعرض النص مفهوم رولز «العدالة كإنصاف» الذي يمنح الاعتبار الأول للإنصاف، فيما تصبح الكفاءة الاقتصادية مسألة ثانوية، ويُقاس نجاح السياسات، لا بزيادة إجمالي المنفعة، بل بما تحققه للفئات الأقل حظاً.

التحدي الذي يتتبعه سفيرو عبر المقال هو كيفية الوصول إلى إجراءات عملية لصوغ عقد اجتماعي يكون مقبولاً من جميع الأفراد رغم اختلاف مصالحهم وهوياتهم. فالفقراء يميلون إلى المطالبة بمزايا اجتماعية أوسع، والأغنياء يفضلون تخفيف الأعباء الضريبية، والرجال قد يدافعون عن أدوار تقليدية، في حين تسعى النساء إلى مساواة في الأجر، والمتفوقون يطالبون بمكافأة الاستحقاق، بينما يطالب الأقل حظاً بدعم تعويضي، إضافة إلى تنافس الجماعات الدينية على المكانة. أمام هذا التنازع، يقترح رولز تجربة ذهنية تعود بالمجتمع إلى «الوضع الأصلي»، أي لحظة افتراضية قبل قيام النظام السياسي، حيث يجتمع أفراد لا يعرفون مسبقاً مواقعهم المستقبلية داخل المجتمع، لصوغ المبادئ التي ستنظم حياتهم المشتركة.

العنصر الحاسم في هذه التجربة الذهنية هو ما يسميه رولز «حجاب الجهل»، أي أن الأشخاص المشاركين في صياغة مبادئ العقد الاجتماعي «محرومون» من معرفة عرقهم أو نوعهم الاجتماعي أو عمرهم أو وضعهم الطبقي أو درجة مواهبهم أو نوع الحياة التي سيعتبرونها «جيدة» لاحقاً. يطلق سفيرو على هؤلاء اسم «المواطنين الأوليين»، ويعتبر أن حيادهم عن أوضاعهم الشخصية المستقبلية يمنح قراراتهم طابعاً أقرب إلى الحياد العادل، لأنهم لا يستطيعون توجيه القواعد لصالح فئة بعينها. في هذه الحالة، وبرغم الجهل، يفترض رولز أن هؤلاء الأفراد عقلانيون، ما يقودهم، وفق المقال، إلى التوافق على «مبدئين للعدالة» يحكمان بنية المجتمع.

المبدأ الأول، كما يورده المقال، ينص على أن يتمتع كل مواطن بأوسع قدر ممكن من الحريات الأساسية، شرط أن تتوافق هذه الحريات مع تمتع الآخرين بالقدر نفسه، وأن تُرسَّخ هذه الحقوق في صلب الدستور. المبدأ الثاني يتعلق بالتوزيع الاجتماعي والاقتصادي للثروة والمكانة، ويقضي بأن تكون الفرص متاحة للجميع، وأن تُصاغ الفوارق بما يجعلها تصب في مصلحة الأفراد الأقل حظاً. عند تطبيق هذا المنطق على مثال مدير شركة ناشئة ذات تقنية عالية وعامل النظافة في المؤسسة نفسها، يفترض رولز أن الشخص الذي يقف خلف «حجاب الجهل» لا يعرف أي الدورين سيؤول إليه، وبما أنه يتصرف بعقلانية تميل إلى تجنب المخاطرة، فسوف يختار ما يضمن الحد الأدنى الأفضل الممكن لمن قد يكون في أسفل السلم الاجتماعي. يستعين المقال بمفهوم «الماكسمِن» في الاقتصاد، أي تعظيم الحصة الدنيا، في مقابل سيناريو «الماكسماكس» الذي يفضّل أقصى ربحية ممكنة على حساب من هم في القاع، ويعتبر أن عقلانية رولز هي عقلانية حذرة تفضل حماية الأضعف على مراكمة مكاسب الأغنى.

من هذه الزاوية، يصبح الجهل، بحسب القراءة التي يقدمها سفيرو، أداة تنظيمية لا نقصاً معرفياً فحسب، إذ يضمن أن لا تُصاغ القواعد انطلاقاً من موقع الامتياز أو الهامش. يوضح المقال أن هذا المنهج يقف على النقيض من صيغ utilitarianism الحديثة التي طوّرها مثلاً الاقتصادي المجري جون هارساني، الحاصل على جائزة نوبل عام 1994، والذي ينطلق من فرضية أن الأفراد في «الوضع الأولي» يسعون إلى تعظيم منفعتهم المتوقعة لا إلى تجنب المخاطر. وفق هذا التصور، يمكن تبرير سياسات تمنح امتيازات أكبر لمديرين يحصلون على تعويضات عالية إذا فاقت منافعهم الإجمالية ما يتكبده أصحاب الأجور المتدنية من أضرار، حتى لو عنى ذلك ترسيخ لامساواة كبيرة.

ينتهي المقال إلى أن تبني تعريف رولز للعدالة بوصفها إنصافاً يجعل من «الجهل» شرطاً أساسياً لتحقيق الشعور العام بالعدالة داخل المجتمع. فحين يرفع «حجاب الجهل» ويكتشف كل فرد مكانته الفعلية، لا يستطيع الاحتجاج بأنه تعرّض لظلم في توزيع الحقوق أو الفرص، لأنه كان قد شارك، افتراضياً، في وضع القواعد وهو لا يعرف وضعه المستقبلي. بهذه الطريقة، يتحول الجهل المنهجي المؤقت إلى ضمانة أخلاقية تعزز قبول الناس بالعقد الاجتماعي، وتحد من شعور الفئات الأقل حظاً بأن بنية النظام صيغت على حسابها منذ البداية. بالنسبة لصحافي يبحث في قضايا العدالة الاجتماعية والحوكمة، يفتح هذا الطرح الباب أمام استخدام فكرة «حجاب الجهل» كأداة تحليلية لتقييم السياسات العامة، من تصميم أنظمة الضرائب والحماية الاجتماعية إلى تنظيم سوق العمل ومساحات المشاركة السياسية.