تطرح دراسة صادرة عن مركز الأبحاث الأمريكي المتخصّص «معهد هادسون» قراءة تفصيلية للخيارات العسكرية المتاحة أمام الولايات المتحدة للتعامل مع «جزيرة خرج» الواقعة قبالة السواحل الإيرانية في شمال الخليج، بوصفها مركز الثقل الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية ونقطة ارتكاز في بنية الردع البحري لـ«الحرس الثوري» في محيط مضيق هرمز. وتتعامل الدراسة مع الجزيرة باعتبارها حلقة داخل شبكة أوسع من الجزر الإيرانية «الخانقة» لحركة الملاحة في الخليج، تمتد من مدخل المضيق إلى عمقه، وتشمل مواقع تستخدم لنشر الصواريخ، والطائرات المسيّرة، والألغام البحرية، ووسائل الحرب غير المتكافئة.
تلفت الدراسة إلى أن طهران حافظت، رغم حملات الاستهداف الإسرائيلية والأمريكية المتكررة ضد قدراتها العسكرية، على قدرة مستمرة على تهديد المرور البحري وتعطيل النشاط الاقتصادي في واحد من أكثر الممرات حيوية لتدفقات النفط والغاز والسلع عالمياً، عبر توظيف مزيج من الأصول البحرية غير المتماثلة، والذخائر الدقيقة، والبنى التحتية المحصّنة على الجزر. وتخلص إلى أن «جزيرة خرج» تمثل، بحجمها المحدود وموقعها القريب من الساحل، نموذجاً مكثفاً لهذا المنطق العسكري الإيراني، حيث تتجاور الوظيفة الاقتصادية لقاعدة التصدير مع وظيفة عسكرية دفاعية تسعى لتقييد هامش الحركة أمام أي قوة معادية في الخليج.
وتشير الدراسة إلى أن وصول وحدات بحرية برمائية أمريكية حديثاً إلى منطقة الشرق الأوسط، وبينها السفينة «يو إس إس تريبولي» المصممة لعمليات الإنزال البحري وتشغيل مقاتلات «إف–35 بي» القصيرة الإقلاع والعمودية الهبوط، ترافق مع حشد قوة استكشافية من مشاة البحرية ووحدات جوية وبحرية قادرة على تنفيذ طيف واسع من العمليات، من الإغارة المحدودة حتى حملة عسكرية ممتدة. وتعتبر أن هذا الانتشار يوفر للقيادة العسكرية الأمريكية مجموعة خيارات عملية تتراوح بين الضغط البحري المركّز، والضربات الصاروخية والجوية الدقيقة، وعمليات الإنزال السريع على الجزر الإيرانية، مع إمكان توسيع نطاق العمليات أو تقليصه تبعاً لتطوّر الموقف السياسي والعسكري.
تولي الدراسة اهتماماً خاصاً بطبيعة التهديدات التي راكمتها إيران في المسرح البحري، بدءاً من الألغام البحرية منخفضة الكلفة وعالية التأثير العملياتي، مروراً بالصواريخ المضادة للسفن، بما فيها نماذج تفوق سرعة الصوت يحتمل أن تكون طهران حصلت عليها أو طوّرت نسخاً محلية منها، وصولاً إلى الزوارق السريعة الانتحارية والطائرات المسيّرة الانقضاضية و«الانتحارية» التي جرى اختبارها عملياً عبر وكلاء إقليميين في البحر الأحمر وباب المندب والخليج. وتربط الدراسة بين هذا المخزون وبين سلسلة عمليات استهدفت سفن شحن تجارية وناقلات نفط وسفناً بحرية عسكرية خلال الأعوام الأخيرة، بما في ذلك استخدام صواريخ باليستية مضادة للسفن وطائرات مسيّرة مسلّحة أطلقتها جماعات حليفة لإيران ضد أهداف في الممرات البحرية الدولية.
في مقابل ذلك، تستعرض الدراسة التشكيلات الأمريكية المنتشرة في المنطقة، مركّزة على وحدات مشاة البحرية المحمولة جوّاً وبحراً، والطائرات القادرة على الإقلاع من السفن البرمائية، والقدرات الضاربة للصواريخ الجو–أرض، إلى جانب وسائل الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية التي يمكن أن تستهدف شبكات القيادة والسيطرة والاستطلاع الإيرانية. وتطرح سيناريو مبدئياً يقوم على مرحلتين: أولاهما حملة تمهيدية لإضعاف الدفاعات الجوية والصاروخية والبنية التحتية الحساسة، وثانيتها عمليات إنزال محدودة على «جزيرة خرج» أو جزر أخرى، بهدف السيطرة المؤقتة وتعطيل القدرة على تصدير النفط وحرمان طهران من جزء من أدوات نفوذها الاقتصادي.
غير أن الدراسة تشدد في المقابل على الكلفة العملياتية والاستراتيجية الباهظة لخيارات من هذا النوع، سواء من حيث مخاطرة دفع إيران إلى توسيع رقعة النزاع نحو مواجهة بحرية واقتصادية أوسع، أو من حيث الحاجة إلى حماية طويلة الأمد للقوات المنتشرة على الجزر في بيئة مهددة بصواريخ باليستية وقذائف موجهة وطائرات مسيّرة وألغام وبؤر مقاومة محلية. وتلاحظ أن الحفاظ على وجود أمريكي مستدام في «جزيرة خرج» أو في جزيرة مقابلة مثل «قشم» سيتطلب جهداً لوجستياً ودفاعياً كبيراً، في حين يظل رد الفعل الإيراني المحتمل، عبر استهداف بنى تحتية للطاقة في الخليج وتكثيف الضغط في مضيق هرمز والبحر الأحمر، عاملاً رئيسياً في حسابات المخاطرة.
وتخلص الدراسة إلى أن أي خيار عسكري أمريكي تجاه «جزيرة خرج» لن يكون مجرد عملية جزئية في مسرح محلي ضيق، بل خطوة مترابطة مع مجمل النظام الأمني في الخليج ومع التوازنات الأوسع في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وترى أن واشنطن، إذا قررت استخدام القوة في هذا الميدان، ستسعى على الأرجح إلى مقاربة تجمع بين الضغط البحري والجوي والاقتصادي، مع محاولة ضبط التصعيد وتفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة، في وقت تحاول فيه إيران الحفاظ على قدرتها على التهديد دون الدخول في حرب مفتوحة.