يقدّم هذا الحوار الفكري بين عالم النفس الراحل روبرت جاي ليفتون، والباحثين في العلوم السياسية نيتا كروفورد وماثيو إفانجيليستا مقاربة مركّبة لمسار الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، بوصفها سلسلة مترابطة يتولّد كل فصل فيها من إرث الحرب السابقة، سواء في الوعي الجمعي أو في بنية الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية. ينطلق ليفتون من أطروحة مركزية مفادها أن الحرب تجرّ حرباً أخرى، وأن النصر كما الهزيمة كليهما ينتجان ديناميات نفسية وسياسية تغذي استمرار العنف، وتعيد تشكيل تصوّر القوة والضعف لدى الدولة العظمى.
يتوقّف ليفتون عند مفهومه لـ“النزعة الحربية” أو “warism”، الذي يشبه به “النوويّة” باعتبارهما تصورين يرى أصحابهما في القوة العسكرية، التقليدية أو النووية، أداة لحل المعضلات السياسية والوجودية على مستوى الدولة والمجتمع. في هذا الإطار، تصبح الولايات المتحدة، بوصفها قوة عظمى ذات إحساس مفرط بالقدرة، أكثر قابلية للارتهان لمنطق التفوق العسكري، مع ما يرافقه من خيال سياسي حول إمكانية التحكم بمسار التاريخ وإعادة صياغة نتائجه بالقوة. ويرى أن فقدان الشعور بـ“القدرة المطلقة”، كما حدث بعد فيتنام، يطلق اندفاعاً لتعويض الخسارة عبر حروب جديدة أو عبر صناعة سرديات ثقافية تعيد كتابة الهزيمة.
يقدّم ليفتون حرب فيتنام مثالاً نموذجياً على “الحرب الخاسرة” التي لا تنتهي بانسحاب القوات، بل تستمر في الذاكرة والسياسة والثقافة الأمريكية بصفتها جرحاً مفتوحاً. برأيه، جاءت حرب الخليج الأولى محاولة غير معلنة لتجاوز عقدة فيتنام، أي تصنيع نصر عسكري واضح يعيد الاعتبار لصورة القوة الأمريكية، رغم انعدام الصلة المباشرة بين الحربين من حيث السياق الجغرافي والسياسي. ويستعين بما يسميه “ظاهرة رامبو” لتوصيف المتخيّل السينمائي الذي يعيد، رمزياً، قلب نتيجة الحرب عبر بطل خارق يعيد فرض هيبة القوة المهدورة في الميدان.
في المستوى النفسي، يعيد ليفتون التذكير بدوره مع آخرين في بلورة مفهوم “اضطراب ما بعد الصدمة” لدى المحاربين، ليس فقط كتشخيص طبي، بل كنافذة لفهم أثر العنف المنظم على الأفراد والجماعات. يوضح أن هذا الاضطراب ينطوي على مزيج من الهوس بالتجربة مع العجز عن التعبير عنها، وعلى توتر دائم يتقلب بين القلق والخدر النفسي، مصحوباً باسترجاعات حية للصدمة يمكن أن تقود إلى سلوكيات عنيفة. ويلفت إلى أن الاعتراف المؤسسي بهذه الحالة، خصوصاً في عمل “مجموعات النقاش” مع قدامى المحاربين، ساهم في تحويل جزء من هؤلاء إلى فاعلين في حركات السلام والمعارضة للحرب من داخل التجربة القتالية نفسها.
يمتد التحليل إلى البعد الجمعي، حيث يربط ليفتون بين “الموضوعات المشتركة” التي يستخلصها من مقابلات فردية، وبين تشكّل وعي جماعي جديد تجاه الحرب. يشير إلى أن حركة قدامى محاربي فيتنام المناهضين للحرب منحت المجتمع الأمريكي سردية بديلة، تُظهر الحرب باعتبارها مغامرة مدمرة وغير مبررة، في مقابل سردية رسمية تصفها كمعركة نبيلة كان ينبغي كسبها بقوة أكبر. ويقارب هذا التنازع السردي مع مثال الحرب الأهلية الأمريكية، حيث جرى “تجميل” قضية الجنوب المهزوم مع تحييد مسألة العبودية التي كانت جزءاً عضوياً من بنيته.
ينتقل الحوار إلى “متلازمة ما بعد فيتنام” على مستوى السياسة الخارجية، حيث يُفترض أن الهزيمة ولّدت حذراً من التورط في حروب تمرد طويلة ومعقدة. غير أن حربي العراق وأفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر جاءت، بحسب ليفتون، لتكسر جزءاً من هذا التحفّظ، عبر العودة إلى نمط حروب مكافحة التمرد التي يصعب حسمها عسكرياً، وتُخاض تحت عناوين شاملة مثل “الحرب على الإرهاب”. ويشير إلى أن الخطاب السياسي الرسمي، كما في تصريح جورج بوش الأب عن “التخلص من عقدة فيتنام”، عمل على إعادة تأطير الحذر الشعبي بوصفه عائقاً ينبغي تجاوزه لا درساً ينبغي استيعابه.
في علاقة القوة العسكرية بالديمقراطية، يشرح ليفتون مفهوم “دولة الأمن القومي” التي تنزع فيها مؤسسات الدولة إلى التمركز حول اعتبارات عسكرية وأمنية تُقدَّم على أنها ضمان للأمن الوطني. في المقابل، يستحضر تجربة الحركات المهنية المناهضة للتسلح النووي، مثل “أطباء من أجل المسؤولية الاجتماعية” و“الأطباء الدوليون لمنع الحرب النووية”، التي حاولت الدفع باتجاه تصور بديل لـ“الأمن المشترك” يقوم على الاعتراف بالتدمير المتبادل المحتمل كحافز للتعاون لا للمواجهة. ويرى أن هذه الحركات أسهمت، مع وعي متزايد بمآسي هيروشيما وناجازاكي، في خلق ما يسميه “صورة الفناء” التي تكشف الأثر الكارثي لحرب نووية على استمرار الحياة البشرية.
يقدّم ليفتون نقداً حاداً لفكرة “أخلاقيات نووية” تقوم على البحث عن “الكم المناسب” من الأسلحة الرادعة، معتبراً أن الحديث عن استخدام محتمل للسلاح النووي ينطوي في جوهره على منطق إجرامي لا يمكن وصفه بالأخلاقي. ويذكّر بأن الردع لا ينفصل عن احتمال الاستخدام الفعلي، وأن خطاب “التبادل النووي المحدود” يعكس وهماً خطيراً حول إمكانية التحكم بنتائج تصعيد كهذا. ويستحضر تجربة العلماء الذين عملوا على مشروع القنبلة ثم تحولوا إلى “ناجين تنبؤيين” حذروا من المخاطر الوجودية التي شاركوا هم أنفسهم في صناعتها.
يتوسع النقاش لاحقاً إلى علاقة الحرب بصعود الأنظمة الشمولية والقادة التسلطيين، مع الإشارة إلى مثال أدولف هتلر الذي حوّل شعور الإهانة الوطنية بعد الحرب العالمية الأولى إلى وقود لمشروع استبدادي توسعي. كما يتناول ليفتون مسألة العنف السياسي في الولايات المتحدة المعاصرة، مفسراً جاذبية خطاب العنف لدى بعض القادة، مثل دونالد ترامب، بقدرته على استثمار إحساس شرائح واسعة من المجتمع بالتهميش والمهانة. ويعتبر أن تراكم الخبرة التاريخية مع الاغتيالات السياسية، والحروب المتكررة، وهجوم يناير 2021 على مبنى الكونغرس، يعمّق لدى الجمهور شعوراً واقعياً بإمكانية انفلات العنف في الداخل.
في تأملاته، يبلور ليفتون صورة لحلقة مفرغة من “حمّى الحرب” التي تبدأ بنشوة وطنية وتصورات متعالية عن القوة، ثم تنقلب سريعاً إلى واقع من القتل والفوضى وتصدع المعايير. برأيه، تنتج الحروب دائماً أشكالاً من الاستبداد أو النزعات الشمولية، أياً كانت الذرائع التي بدأت تحت لوائها، وتترك وراءها سلالات جديدة من العنف والصراعات حول معنى التضحيات والضحايا. ويرى أن الخروج من هذه الدوامة لا يكون إلا عبر ترسيخ بدائل دبلوماسية وقانونية، ومأسسة ثقافة سياسية تقوم على “قول الحقيقة” بشأن الحرب ونتائجها، بما في ذلك الاعتراف بالفظائع ورفض تبريرها، بوصف ذلك شرطاً لتقييد اللجوء إلى القوة وفك الارتباط بين الأمن القومي واستدامة الحرب.