تسير الجزائر في السنوات الأخيرة وفق مسار مزدوج في التعامل مع الرياضة، يجمع بين استثمار متزايد في البنية التحتية والمنافسات المحلية من جهة، وحضور خارجي متحفظ في ملفات التنظيم القاري واستخدام الرياضة كإحدى أدوات القوة الناعمة من جهة أخرى. هذا المسار يضعها في موقع مختلف عن عدد من الدول الإفريقية التي اختارت توظيف الرياضة بوضوح في خدمة طموحاتها الدبلوماسية والاقتصادية، عبر استضافة بطولات كبرى وعقد شراكات رياضية عابرة للحدود.
عمليًا، راكمت الجزائر خلال فترة زمنية قصيرة تجربة تنظيمية لافتة، من خلال احتضان ألعاب البحر الأبيض المتوسط في وهران عام 2022، وبطولة أمم إفريقيا للاعبين المحليين وكأس أمم إفريقيا لأقل من 17 عامًا في 2023، ثم الألعاب المدرسية الإفريقية في 2025. استندت هذه الدورات إلى شبكة من المطارات المطوّرة وقدرات فندقية متنامية وملاعب جديدة أو مجددة في مدن عدة مثل وهران وبراقي والدويرة وتيزي وزو وعنابة، بما رسّخ صورة بلد مهيأ لوجستيًا لاستقبال تظاهرات قارية كبيرة، ولو أنه لا يسعى بالوتيرة نفسها إلى توسيع حضوره في عروض الاستضافة الأضخم.
التحول الأبرز تمثل في قرار الاتحاد الجزائري لكرة القدم سحب ملفات الترشح لتنظيم نسختي 2025 و2027 من كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، قبل حسم الكنفدرالية الإفريقية للعبة في هوية الدول المستضيفة. قدّم المسؤولون عن الكرة في الجزائر تبريرًا يستند إلى رغبة في إعادة توجيه الموارد نحو تطوير البنية المحلية والبطولات الوطنية، بدل الانخراط في سباق تنظيمي مكلف لا يُضمن عائده الرمزي والاقتصادي. كما قرأ مراقبون هذه الخطوة باعتبارها رغبة في تفادي مواجهة رمزية مفتوحة مع دول منافسة داخل دوائر القرار الكروي القاري، في وقت تم فيه إسناد نسخة 2025 للمغرب ونسخة 2027 لملف مشترك يضم كينيا وأوغندا وتنزانيا.
في ملف كأس أمم إفريقيا للسيدات 2026، اتخذت الجزائر موقفًا يعكس القدر نفسه من التحفظ؛ إذ تم تداول معلومات عن جس نبضها لاستضافة البطولة بعد تعثر إقامتها في المغرب في الموعد المبدئي بين 17 مارس و3 أبريل، غير أن ردها ظل في إطار الاعتذار الهادئ وعدم الانخراط في سباق على تنظيم طارئ، لتتم إعادة برمجة البطولة خلال شهري يوليو وأغسطس من دون إعلان فوري عن البلد المضيف. هذا السلوك يشي بأن السلطات الجزائرية تفضّل الترشح عبر ملفات مكتملة سياسيًا وماليًا وتنظيميًا، بدل لعب دور المستضيف البديل في ظروف ضاغطة.
على المستوى الداخلي، تتقاطع الرياضة الاحترافية مع القطاع العمومي الاقتصادي؛ إذ تمتلك مؤسسات كبرى مثل سوناطراك وشركات تابعة لها، إلى جانب مجموعات عمومية أخرى كبرى، حصصًا أساسية في عدد من أبرز الأندية، من مولودية الجزائر ووفاق سطيف وشباب بلوزداد واتحاد العاصمة إلى شبيبة القبائل وأندية أخرى في الدوري. هذه البنية تمنح الدولة قدرة مباشرة على توجيه التمويل والأولويات، وتجعل من كرة القدم جزءًا من إدارة الحقل الاجتماعي، مع التركيز على تثبيت الاستقرار الداخلي وتطوير التكوين أكثر من استخدام الأندية والبطولات كمنصات نفوذ في الخارج.
في المقابل، تتبنى دول إفريقية مثل المغرب ورواندا وكوت ديفوار مقاربة أكثر هجومية في الدبلوماسية الرياضية، عبر استضافة بطولات قارية وعالمية، وتحويل الملاعب الحديثة وحملات التسويق الكروي والشراكات مع أندية أوروبية إلى أدوات للتواصل مع جماهير واسعة داخل القارة وخارجها. هذا الفارق في الخيارات يضع الجزائر ضمن مجموعة من القوى الإفريقية الكبرى، إلى جانب مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا، التي تبدو أقل اندفاعًا نحو جعل الرياضة محورًا مركزيًا في حركتها الدبلوماسية، رغم امتلاكها إمكانات بشرية وبنية تحتية تسمح بذلك.
مع ذلك، لا يبدو أن الباب مغلق أمام مراجعة تدريجية لهذه السياسة؛ فالحضور الجزائري داخل الهيئات القارية والدولية، عبر شخصيات تتولى مواقع وازنة في الحركة الأولمبية الإفريقية واللجنة الأولمبية الدولية، يكرّس نوعًا من الاستمرارية في الواجهة التمثيلية، حتى وإن لم يتحول إلى مشروع متكامل للقوة الناعمة الرياضية. كما أن اتساع شبكة المنشآت الرياضية وتحسين وسائل النقل والقدرات الفندقية يمنح الجزائر هامش مناورة يسمح لها، إن توفرت إرادة سياسية واضحة، بالانتقال إلى مستوى آخر من توظيف الرياضة خارجيًا، من دون التفريط في أولوية تطوير الرياضة الوطنية وتقوية دورها الوظيفي داخل المجتمع.