تتيح المقارنة بين الجمهورية الإسلامية في إيران والتيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا اليوم قراءة مزدوجة لتحولات السلطوية المعاصرة، من خلال رصد نقاط التلاقي في منطق الحكم والهوية، إلى جانب التباينات العميقة في السياق والمرجعيات الأيديولوجية.
في الحالة الإيرانية، يقوم النظام على تركيب خاص يجمع بين ثيوقراطية دينية تستند إلى مبدأ «ولاية الفقيه» وبين دولة أمنية متشعبة البنية تعتمد على أجهزة الحرس الثوري والأجهزة الاستخباراتية وأدوات قمع متقدمة. هذا البناء أدى إلى ما تصفه دراسات حديثة بـ«الدولة الأمنية» التي تمارس سلطتها بأسلوب اعتباطي وممتد في تفاصيل الحياة اليومية، مع حضور قوي لآليات المراقبة والسيطرة على المجال العام، بما في ذلك الفضاء الرقمي، بالتوازي مع استخدام مكثف لأدوات الدعاية الأيديولوجية. في المقابل، ترتكز السلطوية اليمينية في أوروبا – حيث ما تزال الإطار الدستوري الديمقراطي قائما – على اختراق المؤسسات الانتخابية والبرلمانية ومحاولة إعادة تعريف قواعد اللعبة من داخلها، من خلال إضعاف الضوابط الليبرالية على السلطة التنفيذية، والتشكيك في استقلال القضاء والإعلام العمومي، والضغط لتقييد حقوق الأقليات واللاجئين.
تظهر نقطة التلاقي الأبرز في مركزية خطاب الهوية، وإن بصيغ مختلفة. فالسلطة في طهران تمزج بين إسلام ثوري شيعي وخطاب وطني إيراني متنامٍ، في ما يسميه بعض الباحثين «قومية شيعية» أو «وطنية إيرانية – إسلامية» تسعى إلى دمج السردية الثورية مع رموز التاريخ الفارسي السابق على الإسلام، في محاولة لإعادة تركيب هوية جامعة قادرة على تعبئة المجتمع في ظل الضغوط الداخلية والخارجية. في المقابل، يبني اليمين المتطرف الأوروبي تصوره للهوية على قوميات إثنية وثقافية تعتبر المسيحية والإرث الحضاري الغربي عنصرا مؤسسا، مع تصوير المهاجرين والمسلمين والاتحاد الأوروبي بوصفهم عوامل تهديد للنقاء الثقافي والقدرة على تقرير المصير الوطني. غير أن الفرق الجوهري يكمن في أن إيران دولة قائمة على أيديولوجيا رسمية تحتكر تعريف الهوية وتضفي عليها طابعا شبه مقدس، بينما يظل اليمين المتطرف في أوروبا – رغم توسع نفوذه – أحد الفاعلين المتنافسين داخل فضاء تعددي ما زالت قواعده الليبرالية صامدة جزئيا.
على مستوى الممارسة السلطوية، يجمع الطرفان مظهران متقاربان: تمجيد الزعامة، واستخدام الخوف كأداة لتعبئة القاعدة المؤيدة. فرأس السلطة في إيران يحتل موقعا دينيا وسياسيا أعلى من كل المؤسسات، يُقدَّم على أنه الضامن لاستمرار النظام والثورة، ويمتلك الكلمة الأخيرة في القرارات الاستراتيجية، بما فيها السياسة الخارجية والملف النووي والعلاقة مع القوى الإقليمية. في المقابل، تبلور تيارات اليمين المتطرف رموزاً قيادية ذات حضور قوي في المشهد الإعلامي، تُقدَّم على أنها التعبير «الأصيل» عن صوت الشعب في مواجهة «النخب» الليبرالية، مع استخدام مستمر لخطاب الخطر الوجودي المرتبط بالهجرة أو بالإسلام السياسي أو بالعولمة الاقتصادية. ومع أن هامش القمع المادي في أوروبا يظل محدودا بفعل الضمانات القانونية، فإن هذه الحركات تعتمد على أدوات أخرى للتضييق، من بينها التشريعات المقيدة للهجرة واللجوء، وربط السياسات الاجتماعية بمعايير الانتماء الوطني، وتقليص مساحات التعبير الثقافي والديني المختلف.
تتقاطع إيران واليمين الأوروبي أيضا في توظيفهما لمفهوم «الخارج المعادي» لتبرير تشديد القبضة الداخلية. فالنظام الإيراني يقدّم نفسه في كثير من الأحيان باعتباره حصنا ضد «الهيمنة الغربية» و«المشاريع الإسرائيلية» في المنطقة، ويوظف الضغوط والعقوبات والنزاعات الإقليمية لتعزيز سردية الحصار والمؤامرة التي تسمح بتعبئة قطاعات من المجتمع وتحجيم الأصوات المطالبة بإصلاحات عميقة. أما التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا فتعتمد على تصوير الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية والمهاجرين والمسلمين بوصفهم مصادر تهديد لسيادة الدولة ولمواردها ولمعاييرها الثقافية، بهدف إضفاء الشرعية على سياسات أكثر تشددا في مراقبة الحدود، والانسحاب من التزامات دولية، وإعادة تعريف مفهوم المواطنة وفق مقاييس أكثر انغلاقا.
في ما يتعلق بالسياسات المتبادلة، ترجّح دراسات حديثة أن توسع نفوذ اليمين المتطرف داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي يؤدي إلى نهج أكثر تشددا تجاه إيران، سواء في ملفات العقوبات أو البرنامج النووي أو الدور الإقليمي لطهران. حيث تميل هذه القوى إلى تقاطع أوثق مع المواقف الأكثر صرامة تجاه إيران في واشنطن وتل أبيب، مع أولوية واضحة للاصطفاف مع إسرائيل في الأزمات الإقليمية، وتقليص قنوات الحوار مع طهران، وربط أي تقارب محتمل بتنازلات كبيرة من جانبها في الملفات الأمنية والحقوقية. في المقابل، تحاول القيادة الإيرانية الاستفادة من الانقسامات داخل الغرب ومن التحولات في الخريطة السياسية الأوروبية للتقليل من عزلتها، مستعملة أدوات «كتاب السلطوية» الذي يجمع بين الدبلوماسية المتعددة المسارات وحملات التأثير الإعلامي والرقمي الموجهة إلى الرأي العام في أوروبا وأمريكا الشمالية.
رغم كل هذه نقاط التماس، تظهر المقارنة أن إيران تمثل نموذجا لسلطوية مستقرة نسبيا لكنها متصدعة داخليا، تستند إلى جهاز قمع متماسك وإيديولوجيا رسمية ما زالت تملك قدرة على الحشد، وإن كانت تواجه تحديات متصاعدة من نزعة وطنية علمانية آخذة في الصعود ومن مجتمع شاب يميل بوضوح أكبر إلى قيم ديمقراطية، حتى وإن قبل جزء منه بصيغة «الحاكم القوي» في لحظات الأزمة. أما اليمين المتطرف الأوروبي فيظل لاعباً صاعداً ضمن أنظمة ديمقراطية أوسع، يستفيد من تآكل الثقة في النخب التقليدية ومن الضغوط الاقتصادية ومن أثر أزمات الهجرة والحروب، دون أن ينجح بعد في تحويل السلطوية الانتخابية إلى نموذج مهيمن على مستوى القارة. هنا تكتسب المقارنة قيمتها في العمل الصحافي: ليست لإعلان تطابق بين الحالتين، بل لفهم كيف تعيد السلطويات – دينية كانت أو قومية علمانية – صياغة مفاهيم الهوية والسيادة والتمثيل الشعبي في زمن التحول العالمي.